تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
إلى الحركة بالحيل والإلزام . ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول من زوجته واتهابه مالها ، لإسقاط الزكاة . فالفقيه يقول سقطت الزكاة . فإن أراد به أن مطالبة السلطان والساعي سقطت عنه ، فقد صدق . فإن مطمح نظرهم ظاهر الملك وقد زال وإن ظن أنه يسلم في القيامة . ويكون كمن لم يملك المال ، أو كمن باع لحاجته إلى المبيع لا على هذا القصد ، فما أعظم جهله بفقه الدين وسر الزكاة ! فإن سر الزكاة تطهير القلب عن رذيلة البخل ، فإن البخل مهلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ثلاث مهلكات شحّ مطاع » وإنما صار شحه مطاعا بما فعله ، وقبله لم يكن مطاعا ، فقد تم هلاكه بما يظن أن فيه خلاصه ، فإن الله مطلع على قلبه ، وحبه للمال ، وحرصه عليه ، وأنه بلغ من حرصه على المال أن استنبط الحيل ، حتى يسد على نفسه طريق الخلاص من البخل بالجهل والغرور . ومن ذلك إباحة الله مال المصالح للفقيه وغيره بقدر الحاجة . والفقهاء المغرورون لا يميزون بين الأماني والفضول والشهوات ، وبين الحاجات . بل كل ما لا تتم رعونتهم إلا به يرونه حاجة ، وهو محض الغرور . بل الدنيا خلقت لحاجة العباد إليها في العبادة ، وسلوك طريق الآخرة . فكل ما تناوله العبد للاستعانة به على الدين والعبادة فهو حاجته . وما عدا ذلك ، فهو فضوله وشهوته . ولو ذهبنا نصف غرور الفقهاء في أمثال هذا لملأنا فيه مجلدات . والغرض من ذلك التنبيه على أمثلة تعرف الأجناس دون الاستيعاب فإن ذلك يطول الصنف الثاني : أرباب العبادة والعمل . والمغرورون منهم فرق كثيرة . فمنهم من غروره في الصلاة ، ومنهم من غروره في تلاوة القرءان ، ومنهم في الحج ، ومنهم في الغزو ، ومنهم في الزهد وكذلك كل مشغول بمنهج من مناهج العمل فليس خاليا عن غرور إلَّا الأكياس وقليل ما هم فمنهم فرقة : أهملوا الفرائض ، واشتغلوا بالفضائل والنوافل ، وربما تعمقوا في الفضائل حتى خرجوا إلى العدوان والسرف ، كالذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ، ولا يرضى الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع ، ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة ، وإذا آل الأمر إلى أكل الحلال قدر الاحتمالات القريبة بعيدة ، وربما أكل الحرام المحض . ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام ، لكان أشبه بسيرة الصحابة : إذ توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية ، مع ظهور احتمال النجاسة . وكان مع هذا يدع
شرح
[ 1 ] حديث ثلاث مهلكات - الحديث : تقدم غير مرة