تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
مجلس السماع ، فكان أوّل حديث روى قوله عليه الصلاة والسلام [ 1 ] « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » فقام وقال : يكفيني هذا حتى أفرغ منه ثم أسمع غيره . فكذا يكون سماع الأكياس الذين يحذرون الغرور . وفرقه أخرى اشتغلوا بعلم النحو ، واللغة ، والشعر ، وغريب اللغة ، واغتروا به ، وزعموا أنهم قد غفر لهم ، وأنهم من علماء الأمة . إذ قوام الدين بالكتاب والسنة ، وقوام الكتاب والسنة بعلم اللغة والنحو . فأفتى هؤلاء أعمار هم في دقائق النحو ، وفي صناعة الشعر ، وفي غريب اللغة . ومثالهم كمن يفنى جميع العمر في تعلم الخط ، وتصحيح الحروف وتحسينها ، ويزعم أن العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة ، فلا بد من تعلمها وتصحيحها . ولو عقل لعلم أنه يكفيه أن يتعلم أصل الخط ، بحيث يمكن أن يقرأ كيفما كان ، والباقي زيادة على الكفاية . وكذلك الأديب لو عقل لعرف أن لغة العرب . كلغة الترك ، والمضيع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيع له في معرفة لغة الترك والهند . وإنما فارقتها لغة العرب لأجل ورود الشريعة بها ، فيكفي من اللغة علم الغريبين في الأحاديث والكتاب ، ومن النحو ما يتعلق بالحديث والكتاب . فأما التعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فهو فضول مستغنى عنه . ثم لو اقتصر عليه ، وأعرض عن معرفة معاني الشريعة والعمل بها ، فهذا أيضا مغرور . بل مثاله مثال من ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرءان ، واقتصر عليه ، وهو غرور ، إذ المقصود من الحروف المعاني ، وإنما الحروف ظروف وأدوات . ومن احتاج إلى أن يشرب السكنجبين ليزول ما به من الصفراء ، وضيع أوقاته في تحسين القدح الذي يشرب فيه السكنجبين ، فهو من الجهال المغرورين . فكذلك غرور أهل النحو ، واللغة ، والأدب ، والقراآت ، والتدقيق في مخارج الحروف ، مهما تعمقوا فيها ، وتجردوا لها ، وعرجوا عليها أكثر مما يحتاج إليه في تعلم العلوم التي هي فرض عين . فاللب الأقصى هو العمل . والذي فوقه هو معرفة العمل ، وهو كالقشر للعمل ، وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه وما فوقه هو سماع الألفاظ وحفظها بطريق الرواية . وهو قشر بطريق
شرح
[ 1 ] حديث من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه الترمذي : وقال غريب وابن ماجة من حديث أبي هريرة وهو عند مالك من رواية علي بن الحسين مرسلا وقد تقدم