تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
الباطن . نعم : القاضي في الدنيا لا يطلع على القلوب والأغراض ، فينظر إلى الإبراء الظاهر وأنها لم تكره بسبب ظاهر . والإكراه الباطن ليس يطلع الخلق عليه . ولكن مهما تصدى القاضي الأكبر في صعيد القيامة للقضاء ، لم يكن هذا محسوبا ولا مفيدا في تحصيل الإبراء ولذلك لا يحل أن يؤخذ مال إنسان إلا بطيب نفس منه . فلو طلب من الإنسان مالا على ملأ من الناس ، فاستحيا من الناس أن لا يعطيه ، وكان يود أن يكون سؤاله في خلوة حتى لا يعطيه ، ولكن خاف ألم مذمة الناس ، وخاف ألم تسليم المال وردد نفسه بينهما فاختار أهون الألمين وهو ألم التسليم فسلمه ، فلا فرق بين هذا وبين المصادرة . إذ معنى المصادرة إيلام البدن بالصوت ، حتى يصير ذلك أقوى من ألم القلب ببذل المال ، فيختار أهون الألمين . والسؤال في مظنة الحياء والرياء ضرب للقلب بالسوط ولا فرق بين ضرب الباطن وضرب الظاهر عند الله تعالى ، فإن الباطن عند الله تعالى ظاهر . وإنما حاكم الدنيا هو الذي يحكم بالملك بظاهر قوله وهبت ، لأنه لا يمكنه الوقوف على ما في القلب وكذلك من يعطى اتقاء لشر لسانه ، أو لشر سعايته ، فهو حرام عليه وكذلك كل مال يؤخذ على هذا الوجه فهو حرام . ألا ترى ما جاء في قصة داود عليه السّلام حيث قال بعد أن غفر له : يا رب ، كيف لي بخصمى فأمر بالاستحلال منه ، وكان ميتا ، فأمر بندائه في صخرة بيت المقدس ، فنادى يا أوريا ، فأجابه لبيك يا نبي الله ، أخرجتني من الجنة ، فما ذا تريد ؟ فقال إني أسأت إليك في أمر فهبه لي . قال قد فعلت ذلك يا نبي الله . فانصرف وقد ركن إلى ذلك ، فقال له جبريل عليه السّلام : هل ذكرت له ما فعلت ؟ قال لا قال فارجع فبين له . فرجع فناداه فقال : لبيك يا نبي الله ، فقال إني أذنبت إليك ذنبا ، قال ألم أهبه لك ؟ قال ألا تسألني ما ذلك الذنب ؟ قال ما هو يا نبي الله ؟ قال كذا وكذا ، وذكر شأن المرأة . فانقطع الجواب . فقال يا أوريا ، ألا تجيبني ؟ قال يا نبي الله ما هكذا يفعل الأنبياء حتى أقف معك بين يدي الله . فاستقبل داود البكاء والصراخ من الرأس ، حتى وعده الله أن يستوهبه منه في الآخرة . فهذا ينبهك أن الهبة من غير طيبة قلب لا تفيد ، وأن طيبة القلب لا تحصل إلا بالمعرفة . فكذلك طيبة القلب لا تكون في الإبراء والهبة وغيرهما ، إلا إذا خلى الإنسان واختياره ، حتى تنبعث الدواعي من ذات نفسه ، لا أن تضطر بواعثه
إحياء علوم الدين — صفحة 115 | الغزالي