تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ونواهيه ، ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه ، إلى غير ذلك مما ذكرناه في كتاب تلاوة القرءان من مقاصد التلاوة . فهو مغرور ، يظن أن المقصود من إنزال القرءان الهمهمة به مع الغفلة عنه . ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه ومالكه كتابا ، وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي ، فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه ، فهو مستمر على خلاف ما أمره به مولاه ، إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل يوم مائة مرة . فهو مستحق للعقوبة . ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه ، فهو مغرور نعم : تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى ، بل لحفظه ، وحفظه يراد لمعناه ، ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه وقد يكون له صوت طيب فهو يقرؤه ويلتذ به ، ويغتر باستلذاذه ، ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه ، وإنما هي لذته في صوته . ولو ردد ألحانه بشعر أو كلام آخر لالتذ به ، ذلك الالتذاذ . فهو مغرور ، إذا لم يتفقد قلبه ، فيعرفه أن لذته بكلام الله تعالى من حيث حسن نظمه ومعانيه ، أو بصوته وفرقة أخرى . اغتروا بالصوم ، وربما صاموا الدهر ، أو صاموا الأيام الشريفة ، وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة ، وخواطرهم عن الرياء ، وبطونهم عن الحرام عند الإفطار ، وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير ، فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه وذلك غاية الغرور وفرقة أخرى : اغتروا بالحج ، فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون ، واسترضاء الوالدين ، وطلب الزاد الحلال . وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام ، ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض ، ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن ، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منهم ، ولا يحذرون في الطريق من الرفث والخصام . وربما جمع بعضهم الحرام وأنفقه على الرفقاء في الطريق ، وهو يطلب به السمعة والرياء ، فيعصى الله تعالى في كسب الحرام أولا ، وفي إنفاقه بالرياء ثانيا . فلا هو أخذه من حله ، ولا هو وضعه في حقه . ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق ، وذميم الصفات ، لم يقدم تطهيره على حضوره ، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه ، فهو مغرور وفرقة أخرى أخذت في طريق الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ينكر على الناس ، ويأمرهم بالخير ، وينسى نفسه . وإذا أمرهم بالخير عنف ، وطلب الرئاسة والعزة .