الإضافة إلى المعرفة ، ولب بالإضافة إلى ما فوقه . وما فوقه هو العلم باللغة والنحو . وفوق ذلك وهو القشر الأعلى ، العلم بمخارج الحروف . والقانعون بهذه الدرجات كلهم مغترون إلا من اتخذ هذه الدرجات منازل ، فلم يعرج عليها إلا بقدر حاجته ، فتجاوز إلى ما وراء ذلك حتى وصل إلى لباب العمل ، فطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه ، ورجى عمره في حمل النفس عليه ، وتصحيح الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات ، فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع ، وسائر العلوم خدم له ، ووسائل إليه ، وقشور له ، ومنازل بالإضافة إليه وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب ، سواء كان في المنزل القريب أو في المنزل البعيد وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع ، اغترّ بها أربابها . فأما علم الطب ، والحساب والصناعات ، وما يعلم أنه ليس من علوم الشرع ، فلا يعتقد أصحابها أنهم ينالون المغفرة بها من حيث إنها علوم فكان الغرور بها أقل من الغرور بعلوم الشرع . لأن العلوم الشرعية مشتركة في أنها محمودة ، كما يشارك القشر اللب في كونه محمودا . ولكن المحمود منه لعينه هو المنتهى ، والثاني محمود للوصول به إلى المقصود الأقصى : فمن اتخذ القشر مقصودا ، وعرج عليه ، فقد اغترّ به .
وفرقة أخرى : عظم غرورهم في فن الفقه ، فظنوا أن حكم العبد بينه وبين الله يتبع حكمه في مجلس القضاء ، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق ، وأساؤا تأويل الألفاظ المبهمة ، واغتروا بالظواهر وأخطئوا فيها . وهذا من قبيل الخطأ في الفتوى والغرور فيه . والخطأ في الفتاوى مما يكثر ، ولكن هذا نوع عم الكافة إلَّا الأكياس منهم ، فنشير إلى أمثلة . فمن ذلك فتواهم بأن المرأة متى أبرأت من الصداق بريء الزوج بينه وبين الله تعالى . وذلك خطأ . بل الزوج قد يسيء إلى الزوجة بحيث يضيق عليها الأمور بسوء الخلق ، فتضطر إلى طلب الخلاص ، فتبرئ الزوج لتتخلص منه ، فهو إبراء لا على طيبة نفس . وقد قال تعالى * ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْه ُ نَفْساً فَكُلُوه ُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) * « 1 » وطيبة النفس غير طيبة القلب . فقد يريد الإنسان بقلبه ما لا تطيب به نفسه . فإنه يريد الحجامة بقلبه ، ولكن تكرهها نفسه . وإنما طيبة النفس أن تسمح نفسها بالإبراء لا عن ضرورة تقابله ، حتى إذا رددت بين ضررين اختارت أهونهما . فهذه مصادرة على التحقيق بإكراه
هامش
« 1 » النساء : 4