وإذا باشر منكرا ورد عليه غضب وقال : أنا المحتسب ، فكيف تنكر على ! وقد يجمع الناس إلى مسجده ، ومن تأخر عنه أغلظ القول عليه ، وإنما غرضه الرياء والرئاسة . ولو قام بتعهد المسجد غيره لحرد عليه . بل منهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن لله ، ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة ، وقال لم آخذ حقي ، وزوحمت على مرتبتي . وكذلك قد يتقلد إمامة مسجد ، ويظن أنه على خير ، وإنما غرضه أن يقال إنه إمام المسجد ، فلو تقدم غيره وإن كان أورع وأعلم منه ثقل عليه
وفرقة أخرى : جاوروا بمكة أو المدينة ، واغتروا بمكة ، ولم يراقبوا قلوبهم ، ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم ، فقلوبهم معلقة ببلادهم ، ملتفتة إلى قول من يعرفه إن فلانا مجاور بذلك وتراه يتحدى ويقول : قد جاورت بمكة كذا كذا سنة . وإذا سمع أن ذلك قبيح ، ترك صريح التحدي ، وأحب أن يعرفه الناس بذلك . ثم إنه قد يجاور ، ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس ، وإذا جمع من ذلك شيئا شح به وأمسكه ، ولم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير ، فيظهر فيه الرياء ، والبخل ، والطمع ، وجملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة . ولكن حب المحمدة ، وأن يقال إنه من المجاورين ، ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل . فهو أيضا مغرور . وما من عمل من الأعمال ، وعبادة من العبادات ، إلا وفيها آفات . فمن لم يعرف مداخل آفاتها واعتمد عليها ، فهو مغرور . ولا يعرف شرح ذلك إلا من جملة كتب إحياء علوم الدين ، فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة ، وفي الحج من كتاب الحج ، والزكاة والتلاوة وسائر القربات من الكتب التي رتبناها فيها وإنما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب .
وفرقة أخرى : زهدت في المال ، وقنعت من اللباس والطعام بالدون ، ومن المسكن بالمساجد ، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد . وهو مع ذلك راغب في الرئاسة والجاه ، إما بالعلم أو بالوعظ ، أو بمجرد الزهد ، فقد ترك أهون الأمرين ، وباء بأعظم المهلكين . فإن الجاه أعظم من المال ، ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى السلامة أقرب . فهذا مغرور ، إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا ، وهو لم يفهم معنى الدنيا ، ولم يدرى أن منتهى لذاتها الرئاسة ، وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقا ، وحسودا ، ومتكبرا ، ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق . نعم : وقد يترك
إحياء علوم الدين — صفحة 119
مساهمون: الغزالي
ص١١٩