تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والغافل ، والمشغول بالنسخ عن السماع ليس يفهم ولا يحفظ . وإن استجرأ جاهل فقال يكتب سماع الصبي في المهد ، فليكتب سماع الجنين في البطن ، فإن فرق بينهما بأن الجنين لا يسمع الصوت ، وهذا يسمع الصوت ، فما ينفع هذا وهو إنما ينقل الحديث دون الصوت ؟ فليقتصر إذ صار شيخا على أن يقول : سمعت بعد بلوغي أنى في صباى حضرت مجلسا يروى فيه حديث ، كان يقرع سمعي صوته ، ولا أدرى ما هو . فلا خلاف في أن الرواية كذلك لا تصح . وما زاد عليه فهو كذب صريح . ولو جاز إثبات سماع التركي الذي لا يفهم العربية لأنه سمع صوتا غفلا ، لجاز إثبات سماع صبي في المهد ، وذلك غاية الجهل . ومن أين يؤخذ هذا ؟ وهل للسماع مستند إلا قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها » وكيف يؤدى كما سمع من لا يدرى ما سمع ؟ فهذا أفحش أنواع الغرور . وقد بلى بهذا أهل الزمان . ولو احتاط أهل الزمان لم يجدوا شيوخا إلا الذين سمعوه في الصبا على هذا الوجه مع الغفلة . إلا أن للمحدثين في ذلك جاها وقبولا ، فخاف المساكين أن يشترطوا ذلك ، فيقل من يجتمع لذلك في حلقهم ، فينقص جاههم ، وتقل أيضا أحاديثهم التي قد سمعوها بهذا الشرط ، بل ربما عدموا ذلك وافتضحوا فاصطلحوا على أنه ليس يشترط إلا أن يقرع سمعه دمدمة ، وإن كان لا يدرى ما يجرى . وصحة السماع لا تعرف من قول المحدثين ، لأنه ليس من علمهم ، بل من علم علماء الأصول بالفقه وما ذكرناه مقطوع به في قوانين أصول الفقه . فهذا غرور هؤلاء . ولو سمعوا على الشرط لكانوا أيضا مغرورين في اقتصارهم على النقل ، وفي إفناء أعمارهم في جمع الروايات والأسانيد وإعراضهم عن مهمات الدين ، ومعرفة معاني الأخبار . بل الذي يقصد من الحديث سلوك طريق الآخرة ، ربما يكفيه الحديث الواحد عمره ، كما روى عن بعض الشيوخ أنه حضر
شرح
[ 1 ] حديث نضر الله امر أسمع مقالتي فوعاها - الحديث : أصحاب السنن وابن حبان من حديث زيد بن ثابت والترمذي وابن ماجة من حديث ابن مسعود قال الترمذي حديث حسن صحيح وابن ماجة فقط من حديث جبير بن مطعم وأنس