تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
فإنهم يصدون عن سبيل الله ، ويجرون الخلق إلى الغرور باللَّه بلفظ الرجاء ، فيزيدهم كلامهم جراءة على المعاصي ، ورغبة في الدنيا ، لا سيما إذا كان الواعظ متزينا بالثياب ، والخيل ، والمراكب ، فإنه تشهد هيئته من فرقه إلى قدمه بشدة حرصه على الدنيا ، فما يفسده هذا المغرور أكثر مما يصلحه ، بل لا يصلح أصلا ، ويضل خلقا كثيرا . ولا يخفى وجه كونه مغرورا وفرقة أخرى منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا ، فهم يحفظون الكلمات على وجهها ، ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها . فبعضهم يفعل ذلك على المنابر ، وبعضهم في المحاريب ، وبعضهم في الأسواق مع الجلساء . وكل منهم يظن أنه إذا تميز بهذا القدر عن السوقة والجندية ، إذ حفظ كلام الزهاد وأهل الدين دونهم ، فقد أفلح ونال الغرض وصار مغفورا له . وأمن عقاب الله ، من غير أن يحفظ . ظاهره وباطنه عن الآثام ، ولكنه يظن أن حفظه لكلام أهل الدين يكفيه . وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم وفرقة أخرى . استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث ، أعنى في سماعه ، وجمع الروايات الكثيرة منه ، وطلب الأسانيد الغريبة العالية . فهمة أحدهم أن يدور في البلاد ويرى الشيوخ ليقول أنا أروى عن فلان ، ولقد رأيت فلانا ، ومعي من الأسناد ما ليس مع غيري وغرورهم من وجوه منها أنهم كحملة الأسفار ، فإنهم لا يصرفون العناية إلى فهم معاني السنة ، فعلمهم قاصر وليس معهم إلا النقل ، ويظنون أن ذلك يكفيهم . ومنها أنهم إذا لم يفهموا معانيها لا يعملون بها ، وقد يفهمون بعضها أيضا ولا يعملون به ومنها أنهم يتركون العلم الذي هو فرض عين ، وهو معرفة علاج القلب ، ويشتغلون بتكثير الأسانيد ، وطلب العالي منها ، ولا حاجة بهم إلى شيء من ذلك ومنها وهو الذي أكب عليه أهل الزمان ، أنهم أيضا لا يقيمون بشرط السماع ، فإن السماع بمجرده وإن لم تكن له فائدة ، ولكنه مهم في نفسه للوصول إلى إثبات الحديث ، إذ التفهم بعد الإثبات . والعمل بعد التفهم . فالأوّل السماع ، ثم التفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ثم النشر . وهؤلاء اقتصروا من الجملة على السماع ، ثم تركوا حقيقة السماع ، فترى الصبي يحضر في مجلس الشيخ ، والحديث يقرأ ، والشيخ ينام والصبي يلعب ، ثم يكتب اسم الصبي في السماع ، فإذا كبر تصدى ليسمع منه . والبالغ الذي يحضر ربما يغفل ولا يسمع ،
إحياء علوم الدين — صفحة 110 | الغزالي