بالتزويق ، بل بموثق من الله غليظ . والمغترون يحسنون بأنفسهم الظنون ، وإذا كشف الغطاء عنهم في الآخرة يفتضحون ، بل يطرحون في النار فتندلق أقتابهم ، فيدور بها أحدهم كما يدور الحمار بالرحى ، كما ورد به الخبر ، لأنهم يأمرون بالخير ولا يأتونه ، وينهون عن الشر ويأتونه وإنما وقع الغرور لهؤلاء من حيث إنهم يصادفون في قلوبهم شيئا ضعيفا من أصول هذه المعاني ، وهو حب الله ، والخوف منه ، والرضا بفعله ، ثم قدروا مع ذلك على وصف المنازل العالية في هذه المعاني ، فظنوا أنهم ما قدروا على وصف ذلك ، وما رزقهم الله علمه ، وما نفع الناس بكلامهم فيها ، إلَّا لاتصافهم بها . وذهب عليهم أن القبول للكلام ، والكلام المعرفة ، وجريان اللسان والمعرفة للعلم ، وأن كل ذلك غير الاتصاف بالصفة . فلم يفارق آحاد المسلمين في الاتصاف بصفة الحب والخوف ، بل في القدرة على الوصف . بل ربما زاد أمنه ، وقل خوفه ، وظهر إلى الخلق ميله ، وضعف في قلبه حب الله تعالى . وإنما مثاله مثال مريض يصف المرض ، ويصف دواءه بفصاحته ويصف الصحة والشفاء ، وغيره من المرضى لا يقدر على وصف الصحة والشفاء ، وأسبابه ودرجاته وأصنافه ، فهو لا يفارقهم في صفة المرض والاتصاف به ، وإنما يفارقهم في الوصف والعلم بالطب فظنه عند علمه بحقيقة الصحة أنه صحيح غاية الجهل . فكذلك العلم بالخوف ، والحب ، والتوكل ، والزهد ، وسائر هذه الصفات ، غير الاتصاف بحقائقها . ومن التبس عليه وصف الحقائق بالاتصاف بالحقائق فهو مغرور . فهذه حالة الوعاظ الذين لا عيب في كلامهم ، بل منهاج وعظهم منهاج وعظ القرءان والأخبار ، ووعظ الحسن البصري وأمثاله رحمة الله عليهم
وفرقة أخرى منهم عدلوا عن المنهاج الواجب في الوعظ ، وهم وعاظ أهل هذا الزمان كافة ، إلا من عصمه الله على الندور في بعض أطراف البلاد إن كان ، ولسنا نعرفه ، فاشتغلوا بالطامات والشطح . وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل ، طلبا للإغراب وطائفة شغفوا بطيارات النكت ، وتسجيع الألفاظ وتلفيقها ، فأكثر هممهم بالإسجاع ، والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق ، وغرضهم أن تكثر في مجالستهم الزعقات والتواجد ولو على أغراض فاسدة . فهؤلاء شياطين الإنس ، ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل . فإن الأولين وإن لم يصلحوا أنفسهم فقد أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم . وأما هؤلاء
إحياء علوم الدين — صفحة 109
مساهمون: الغزالي
ص١٠٩