وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر . ثم اتفق يوما أن كسر أو سرق وعظمت مصيبة الملك عليه ، فقال صدق الحكيم ، ليته لم يحمل إلينا . وهذا شأن جميع أسباب الدنيا . فإن الدنيا عدوّة لأعداء الله ، إذ تسوقهم إلى النار . وعدوّة أولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها . وعدوّة الله ، إذ تقطع طريقه على عباده ، وعدوّة نفسها ، فإنها تأكل نفسها ، فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس ، والخزائن والحراس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال ، وهو بذل الدراهم والدنانير . فالمال يأكل نفسه ويضاد ذاته ، حتى يفنى . ومن عرف آفة المال لم يأنس به ، ولم يفرح به ، ولم يأخذ منه إلا بقدر حاجته . ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل ، لأن ما أمسكه لحاجته فليس ببخل ، وما لا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه ، فيبذله . بل هو كالماء على شط الدجلة . إذ لا يبخل به أحد ، لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة
بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله
اعلم أن المال كما وصفناه ، خير من وجه ، وشر من وجه . ومثاله مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق . ويأخذها الغافل ، فيقتله سمها من حيث لا يدرى .
ولا يخلو أحد عن سم المال ، إلا بالمحافظة على خمس وظائف
الأولى : أن يعرف مقصود المال ، وأنه لما ذا خلق ، وأنه لم يحتاج إليه ، حتى يكتسب ولا يحفظ إلا قدر الحاجة ، ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه
الثانية : أن يراعى جهة دخل المال ، فيجتنب الحرام المحض ، وما الغالب عليه الحرام كمال السلطان ويجتنب الجهات المكروهة ، القادحة في المروءة ، كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة ، وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك المروءة ، وما يجرى مجراه .
الثالثة : في المقدار الذي يكتسبه ، فلا يستكثر منه ولا يستقل ، بل القدر الواجب .
ومعياره الحاجة ، والحاجة ملبس ، ومسكن ، ومطعم . ولكل واحد ثلاث درجات ، أدنى وأوسط ، وأعلى . وما دام مائلا إلى جانب القلة ومتقربا من حد الضرورة ، كان حقا ،
إحياء علوم الدين — صفحة 58
مساهمون: الغزالي
ص٥٨