تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ومثال دفع هذه الصفات بعضها ببعض ، ما يقال إن الميت تستحيل جميع أجزائه دودا ثم يأكل بعض الديدان البعض ، حتى يقل عددها . ثم يأكل بعضها بعضا ، حتى ترجع إلى اثنتين ، قويتين ، عظيمتين . ثم لا تزالان تتقاتلان ، إلى أن تغلب إحداهما الأخرى ، فتأكلها ، وتسمن بها . ثم لا تزال تبقى جائعة وحدها ، إلى أن تموت . فكذلك هذه الصفات الخبيثة ، يمكن أن يسلط بعضها على بعض ، حتى يقمعها ، ويجعل الأضعف قوتا للأقوى ، إلى أن لا يبقى إلا واحدة ، ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة ، وهو منع القوت عنها ومنع القوت عن الصفات ، أن لا يعمل بمقتضاها ، فإنها تقتضي لا محالة أعمالا ، وإذا خولفت خمدت الصفات وماتت . مثل البخل ، فإنه يقتضي إمساك المال . فإذا منع مقتضاه وبذل المال مع الجهد مرة بعد أخرى ، ماتت صفة البخل ، وصار البذل طبعا ، وسقط التعب فيه . فإن علاج البخل بعلم وعمل . فالعلم يرجع إلى معرفة آفة البخل ، وفائدة الجود ، والعمل يرجع إلى الجود والبذل على سبيل التكلف . ولكن قد يقوى البخل ، بحيث يعمى ويصم فيمنع تحقق المعرفة فيه . وإذا لم تتحقق المعرفة ، لم تتحرك الرغبة ، فلم يتيسر العمل . فتبقى العلة مزمنة ، كالمرض الذي يمنع معرفة الدواء وإمكان استعماله ، فإنه لا حيلة فيه إلا الصبر إلى الموت . وكان من عادة بعض شيوخ الصوفية ، في معالجة علة البخل في المريدين ، أن يمنعهم من الاختصاص بزواياهم . وكان إذا توهم في مريد فرحه بزاويته وما فيها ، نقله إلى زاوية غيرها ونقل زاوية غيره إليه ، وأخرجه عن جميع ما ملكه . وإذا رآه يلتفت إلى ثوب جديد يلبسه ، أو سجادة يفرح بها ، يأمره بتسليمها إلى غيره ، ويلبسه ثوبا خلقا ، لا يميل إليه قلبه . فبهذا يتجافى القلب عن متاع الدنيا . فمن لم يسلك هذا السبيل ، أنس بالدنيا وأحبها . فإن كان له ألف متاع ، كان له ألف محبوب ولذلك إذا سرق كل واحد منه ، ألمت به مصيبة بقدر حبه له . فإذا مات ، نزل به ألف مصيبة دفعة واحدة ، لأنه كان يحب الكل ، وقد سلب عنه . بل هو في حياته على خطر المصيبة بالفقد والهلاك حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج ، مرصع بالجواهر ، لم ير له نظير . ففرح الملك بذلك فرحا شديدا . فقال لبعض الحكماء عنده ، كيف ترى هذا ؟ قال أراه مصيبة أو فقرا قال كيف ؟ قال إن كسر كان مصيبة لا جبر لها . وإن سرق صرت فقيرا إليه ، ولم تجد مثله