فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس ، مثل سائر البخلاء في قلبه . ويعالج أيضا قلبه بأن التفكر في مقاصد المال ، وأنه لما ذا خلق . ولا يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه والباقي يدخره لنفسه في الآخرة ، بأن يحصل له ثواب بذله . فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم . فإذا عرف بنور البصيرة ، أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا . فإن تحركت الشهوة ، فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف ، فإن الشيطان يعده الفقر ، ويخوفه ، ويصده عنه . حكى أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء ، فدعا تلميذا له ، وقال انزع عنى القميص وادفعه إلى فلان . فقال هلا صبرت حتى تخرج ؟ قال لم آمن على نفسي أن تتغير ، وكان قد خطر لي بذله
ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا .
كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق ، بالسفر عن مستقره ، حتى إذا سافر وفارق تكلفا ، وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه . فكذلك الذي يريد علاج البخل ، ينبغي أن يفارق المال تكلفا بأن يبذله . بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له . ومن لطائف الحيل فيه ، أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء ، فيبذل على قصد الرياء ، حتى تسمح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل ، واكتسب بها خبث الرياء . ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ، ويزيله بعلاجه ، ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال ، كما قد يسلى الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها . لا ليخلى واللعب ولكن لينفك عن الثدي إليه ، ثم ينقل عنه إلى غيره . فكذلك هذه الصفات الخبيثة ، ينبغي أن يسلط بعضها على بعض ، كما تسلط الشهوة على الغضب ، وتكسر سورته بها .
ويسلط الغضب على الشهوة ، وتكسر رعونتها به . إلا أن هذا مفيد في حق من كان البخل أغلب عليه من حب الجاه والرياء ، فيبدل الأقوى بالأضعف . فإن كان الجاه محبوبا عنده كالمال ، فلا فائدة فيه ، فإنه يقلع من علة ، ويزيد في أخرى مثلها . إلا أن علامة ذلك أن لا يثقل عليه البذل لأجل الرياء . فبذلك يتبين أن الرياء أغلب عليه . فإن كان البذل يشق عليه مع الرياء ، فينبغي أن يبذل ، فإن ذلك يدل على أن مرض البخل أغلب على قلبه
إحياء علوم الدين — صفحة 56
مساهمون: الغزالي
ص٥٦