تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
بيان ذم الغنى ومدح الفقر اعلم أن الناس قد اختلفوا في تفضيل الغنى الشاكر ، على الفقير الصابر . وقد أوردنا ذلك في كتاب الفقر والزهد ، وكشفنا عن تحقيق الحق فيه . ولكنا في هذا الكتاب ، ندل على أن الفقر أفضل وأعلى من الغنى على الجملة ، من غير التفات إلى تفصيل الأحوال . ونقتصر فيه على حكاية فصل ذكره الحارث المحاسبي رضي الله عنه . في بعض كتبه ، في الرد على بعض العلماء من الأغنياء ، حيث احتج بأغنياء الصحابة ، وبكثرة مال عبد الرحمن بن عوف وشبه نفسه بهم . والمحاسبي رحمه الله حبر الأمة في علم المعاملة ، وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس ، وآفات الأعمال ، وأغوار العبادات ، وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه وقد قال بعد كلام له في الرد على علماء السوء ، بلغنا أن عيسى بن مريم عليه السّلام . قال يا علماء السوء ، تصومون ، وتصلون ، وتصدقون ، ولا تفعلون ما تؤمرون ، وتدرسون ما لا تعلمون . فيا سوء ما تحكمون . تتوبون بالقول والأماني ، وتعملون بالهوى ، وما يغنى عنكم أن تنقوا جلودكم ، وقلوبكم دنسة . بحق أقول لكم ، لا تكونوا كالمنخل ، يخرج منه الدقيق الطيب ، وتبقى فيه النخالة . كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم ، ويبقى الغل في صدوركم . يا عبيد الدنيا ، كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ، ولا تنقطع منها رغبته ! بحق أقول لكم ، إن قلوبكم تبكي من أعمالكم . جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم ، والعمل تحت أقدامكم . بحق أقول لكم ، أفسدتم آخرتكم ، فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة . فأي الناس أخسر منكم ؟ لو تعلمون . ويلكم ، حتام تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محل المتحيرين ، كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم . مهلا مهلا . ويلكم ما ذا يغنى عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره ، وجوفه وحش مظلم ؟ كذلك لا يغنى عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم ، وأجوافكم منه وحشة متعطلة . يا عبيد الدنيا لا كعبيد أتقياء ، ولا كأحرار كرام ، توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم ، فتلقيكم على وجوهكم ، ثم تكبكم على مناخركم ، ثم تأخذ خطايا كم بنواصيكم ، ثم تدفعكم من خلفكم