تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ويجيء من جملة المحققين . وإن جاوز ذلك ، وقع في هاوية لا آخر لعمقها . وقد ذكرنا تفصيل هذه الدرجات في كتاب الزهد . الرابعة : أن يراعى جهة المخرج ، ويقتصد في الإنفاق ، غير مبذر ولا مقتر كما ذكرناه ، فيضع ما اكتسبه من حله في حقه ، ولا يضعه في غير حقه . فإن الإثم في الأخذ من غير حقه ، والوضع في غير حقه ، سواء الخامسة : أن يصلح نيته في الأخذ ، والترك ، والإنفاق ، والإمساك . فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة . ويترك ما يترك زهدا فيه ، واستحقارا له . إذا فعل ذلك لم يضره وجود المال . ولذلك قال علي رضي الله عنه ، لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض ، وأراد به وجه الله تعالى ، فهو زاهد . ولو أنه ترك الجميع ، ولم يرد به وجه الله تعالى ، فليس بزاهد . فلتكن جميع حركاتك وسكناتك لله ، مقصورة على عبادة ، أو ما يعين على العبادة فإن أبعد الحركات عن العبادة ، الأكل وقضاء الحاجة . وهما معينان على العبادة . فإذا كان ذلك قصدك بهما ، صار ذلك عبادة في حقك . وكذلك ينبغي أن تكون نيتك في كل ما يحفظك ، من قميص ، وإزار ، وفراش ، وآنية . لأن كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين . وما فضل من الحاجة ، ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد الله ، ولا يمنعه منه عند حاجته . فمن فعل ذلك ، فهو الذي أخذ من حية المال جوهرها وترياقها ، واتقى سمها ، فلا تضره كثرة المال . ولكن لا يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه ، وعظم فيه علمه . والعامي إذا تشبه بالعالم في الاستكثار من المال ، وزعم أنه يشبه أغنياء الصحابة ، شابه الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحية ، ويتصرف فيها ، فيخرج ترياقها ، فيقتدى به ، ويظن أنه أخذها مستحسنا صورتها وشكلها ، ومستلينا جلدها ، فيأخذها اقتداء به ، فتقتله في الحال . إلا أن قتيل الحية يدرى أنه قتيل ، وقتيل المال قد لا يعرف . وقد شبهت الدنيا بالحية . فقيل
هي دنيا كحية تنفث السم وإن كانت المجسة لانت
وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير ، في تخطي قلل الجبال ، وأطراف البحار ، والطرق المشركة ، فمحال أن يتشبه العامي بالعالم الكامل في تناول المال