فيمسك لأجلهم . ولذلك قال عليه السّلام [ 1 ] « الولد مبخلة مجبنة مجهلة » فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر ، وقلة الثقة بمجيء الرزق ، قوى البخل لا محالة .
السبب الثاني : أن يحب عين المال .
فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره ، إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته ، وتفضل آلاف ، وهو شيخ بلا ولد ، ومعه أموال كثيرة ، ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ، ولا بمداواة نفسه عند المرض ، بل صار محبا للدنانير ، عاشقا لها ، يلتذ بوجودها في يده ، وبقدرته عليها ، فيكنزها تحت الأرض ، وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه ، ومع هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة . وهذا مرض للقلب عظيم ، عسير العلاج ، لا سيما في كبر السن . وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه . ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا ، فأحب رسوله لنفسه ، ثم نسي محبوبه ، واشتغل برسوله . فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات . فصارت محبوبة لذلك ، لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ . ثم قد تنسى الحاجات ، ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه ، وهو غاية الضلال . بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا فهو جاهل ، إلا من حيث قضاء حاجته به . فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة .
فهذه أسباب حب المال وإنما علاج كل علة بمضادة سببها . فتعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير ، وبالصبر . وتعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت ، والنظر في موت الأقران ، وطول تعبهم في جمع المال ، وضياعه بعدهم . وتعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه ، وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا ، وحاله أحسن ممن ورث . وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده ، يريد أن يترك ولده بخير ، وينقلب هو إلى شر . وأن ولده إن كان تقيا صالحا فاللَّه كافية ، وإن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية ، وترجع مظلمته إليه . ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ، ومدح السخاء ، وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم
ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ، ونفرة الطبع عنهم ، واستقباحهم له . فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ، ويستثقل كل بخيل من أصحابه .
شرح
[ 1 ] حديث الولد مبخلة زاد في رواية محزنة : ابن ماجة من حديث يعلى بن مرة دون قوله محزنة رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزاز من حديث أبي سعيد والحاكم من حديث الأسود بن خلف واسناده صحيح