تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وإحباط للعمل العظيم . فيقول وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق ، وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل ؟ فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن ييأس عنه ، فيقول إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء ، فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم . فيترك المجاهدة في الإخلاص . لأن المخلط إلى ذلك أحوج من المتقي ، لأن المتقي إن فسدت نوافله . بقيت فرائضه كاملة تامة . والمخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان ، والحاجة إلى الجبران بالنوافل . فإن لم تسلم صار مأخوذا بالفرائض ، وهلك به . فالمخلط إلى الإخلاص أحوج وقد روى تميم الداري عن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] أنه قال « يحاسب العبد يوم القيامة فإن نقص فرضه قيل انظروا هل له من تطوّع فإن كان له تطوّع أكمل به فرضه وإن لم يكن له تطوّع أخذ بطرفيه فألقى في النّار » فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص ، وعليه ذنوب كثيرة ، فاجتهاده في جبر الفرائض وتكفير السيئات ، ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل . وأما المتقي ، فجهده في زيادة الدرجات . فإن حبط تطوعه بقي من حسناته ما يترجح على السيئات ، فيدخل الجنة . فإذا ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطلاع غير الله عليه ، لتصح نوافله . ثم يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ ، حتى لا يظهره ولا يتحدث به . وإذا فعل جميع ذلك . فينبغي أن يكون وجلا من عمله ، خائفا أنه ربما داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه ، فيكون شاكا في قبوله ورده ، مجوزا أن يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ما مقته بها ، ورد عمله بسببها . ويكون هذا الشك والخوف في دوام عمله وبعده لا في ابتداء العقد . بل ينبغي أن يكون متيقنا في الابتداء أنه مخلص ، ما يريد بعمله إلا الله ، حتى يصح عمله . فإذا شرع ومضت لحظة يمكن فيها الغفلة والنسيان ، كان الخوف من الغفلة عن شائبة خفية أحبطت عمله ، من رياء أو عجب أولى به . ولكن يكون رجاؤه أغلب من خوفه لأنه استيقن أنه دخل بالإخلاص ، وشك في أنه هل أفسده برياء ، فيكون رجاء القبول أغلب وبذلك تعظم لذته في المناجاة والطاعات ، فالإخلاص يقين والرياء شك وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد سبق وهو غافل عنه . والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ، ينبغي أن يلزم نفسه رجاء الثواب على دخول السرور
شرح
[ 1 ] حديث تميم الداري في اكمال فريضة الصلاة بالطوع : أبو داود وابن ماجة وتقدم في الصلاة