تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
إن كان يريد أن يكون تعلمه طاعة . فإن العباد أمروا أن لا يعبدوا إلا الله ، ولا يريدوا بطاعتهم غيره وكذلك من يخدم أبويه ، لا ينبغي أن يخدمهما لطلب المنزلة عندهما ، إلا من حيث إن رضا الله عنه في رضا الوالدين . ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية في الحال ، وسيكشف الله عن ريائه ، وتسقط منزلته من قلوب الوالدين أيضا وأما الزاهد المعتزل عن الناس ، فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه ، ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله . فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به . وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله واستعظامهم لمحله ، وهو لا يدرى أنه المخفف للعمل عليه قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان ، دخلت عليه في صومعته ، فقلت يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك ؟ قال منذ سبعين سنة . قلت فما طعامك ؟ قال يا حنيفى وما دعاك إلى هذا ؟ قلت أحببت أن أعلم . قال في كل ليلة حمصة . قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ؟ قال ترى الدير الذي بحذائك ؟ قلت نعم : قال إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا ، فيزينون صومعتي ، ويطوفون حولها ويعظموني . فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عزّ تلك الساعة . فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة . فاحتمل يا حنيفى جهد ساعة لعز الأبد . فوقر في قلبي المعرفة . فقال حسبك أو أزيدك ؟ قلت بلى . قال انزل عن الصومعة . فنزلت . فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي : ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك . فلما دخلت الدير اجتمع على النصارى فقالوا يا حنيفى ، ما الذي أدلى إليك الشيخ ؟ قلت من قوته . قالوا فما تصنع به ونحن أحق به ؟ ثم قالوا ساوم . قلت عشرون دينارا . فأعطونى عشرين دينارا . فرجعت إلى الشيخ ، فقال يا حنيفى ما الذي صنعت ؟ قلت بعته منهم . قال بكم ؟ قلت بعشرين دينارا . قال أخطأت . لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك . هذا عز من لا تعبده . فانظر كيف يكون عز من تعبده ! يا حنيفي أقبل على ربك ، ودع الذهاب والجيئة . والمقصود أن استشعار النفس عز العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة ، وقد لا يشعر العبد به . فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه . وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة . فلو تغيروا عن اعتقادهم له لم يجزع ، ولم يضق به ذرعا ، إلا كراهة ضعيفة . إن وجدها في قلبه فيردها في الحال بعقله وإيمانه ،