على قلب من قضى حاجته فقط . ورجاء الثواب على عمل المتعلم بعلمه فقط ، دون شكر ، ومكافأة وحمد ، وثناء من المتعلم والمنعم عليه ، فإن ذلك يحبط الأجر . فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة ، أو مرافقة في المشي في الطريق ليستكثر باستتباعه ، أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ أجره ، فلا ثواب له غيره . نعم . إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله بعلمه ليكون له مثل أجره ، ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته ، فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذا كان لا ينتظره ولا يريده منه ، ولا يستبعده منه لو قطعه . ومع هذا فقد كان العلماء يحذرون هذا ، حتى أن بعضهم وقع في بئر ، فجاء قوم فأدلوا حبلا ليرفعوه ، فحلف عليهم أن لا يقف معهم من قرأ عليه آية من القرءان ، أو سمع منه حديثا ، خيفة أن يحبط أجره .
وقال شقيق البلخي : أهديت لسفيان الثوري ثوبا فرده علىّ . فقلت له يا أبا عبد الله لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده علىّ . قال علمت ذاك ، ولكن أخوك يسمع منى الحديث فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر مما يلين لغيره . وجاء رجل إلى سفيان ببدرة أو بدرتين وكان أبوه صديقا لسفيان ، وكان سفيان يأتيه كثيرا . فقال له يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء ؟ فقال يرحم الله أباك ، كان وكان ، وأثنى عليه . فقال يا أبا عبد الله ، قد عرفت كيف صار هذا المال إلى ، فأحب أن تأخذ هذه تستعين بها على عيالك . قال فقبل سفيان ذلك . قال فلما خرج قال لولده : يا مبارك ، ألحقه فرده علىّ . فرجع فقال أحب تأخذ مالك . فلم يزل به حتى رده عليه ، وكأنه كانت أخوته مع أبيه في الله تعالى ، فكره أن يأخذ ذلك . قال ولده فلما خرج لم أملك نفسي أن جئت إليه فقلت : ويلك ، أي شيء قلبك هذا حجارة ! عدّ أنه ليس لك عيال ، أما ترحمني ؟ أما ترحم إخوتك ؟ أما ترحم عيالنا ؟ فأكثرت عليه . فقال لي يا مبارك ، تأكلها أنت هنيئا مريئا ، وأسأل عنها أنا . فإذا يجب على العالم أن يلزم قلبه طلب الثواب من الله في اهتداء الناس به فقط . ويجب على المتعلم أن يلزم قلبه حمد الله وطلب ثوابه ، ونيل المنزلة عنده لا عند المعلم وعند الخلق . وربما يظن أن له أن يرائي بطاعته لينال عند المعلم رتبة فيتعلم منه . وهو خطأ . لأن إرادته بطاعته غير الله خسران في الحال والعلم . وربما يفيد وربما لا يفيد . فكيف يخسر في الحال عملا نقدا على توهم علم ! وذلك غير جائز . بل ينبغي أن يتعلم لله ، ويعبد لله ، ويخدم المعلم الله ، لا ليكون له في قلبه منزلة ،
إحياء علوم الدين — صفحة 176
مساهمون: الغزالي
ص١٧٦