فإنه لو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليه ، لم يزده ذلك خشوعا ، ولم يداخله سرور بسبب اطلاعهم عليه . فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه ، ولكن إذا قدر على رده بكراهة العقل والإيمان ، وبادر إلى ذلك ، ولم يقبل ذلك السرور بالركون إليه ، فيرجى له أن لا يخيب سعيه ، إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع والانقباض كي لا ينبسطوا إليه ، فذلك لا بأس به ، ولكن فيه غرور . إذ النفس قد تكون شهوتها الخفية إظهار الخشوع وتتعلل بطلب الانقباض ، فيطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من الله غليظ ، وهو أنه لو علم أن انقباضهم عنه إنما حصل بأن يعدو كثيرا ، أو يضحك كثيرا ، أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك . فإذا لم تسمح وسمحت بالعبادة ، فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم ولا ينجو من ذلك إلا من تقرر في قلبه أنه ليس في الوجود أحد سوى الله ، فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله ، فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتها . فإذا كان كذلك لم يتغير بمشاهدة الخلق . ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان ، أحدهما غنى والآخر فقير ، فلا يجد عند إقبال الغنى زيادة هزة في نفسه لا كرامة ، إلا إذا كان في الغنىّ زيادة علم أو زيادة ورع ، فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى . فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر ، فهو مراء أو طماع . وإلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في الرغبة إلى الآخرة ، ويحبب إلى القلب المسكنة . والنظر إلى الأغنياء بخلافه . فكيف استروح بالنظر إلى الغنى أكثر مما يستروح إلى الفقير ! وقد حكى أنه لم ير الأغنياء في مجلس أذل منهم فيه في مجلس سفيان الثوري كان يجلسهم وراء الصف ويقدم الفقراء ، حتى كانوا يتمنون أنهم فقراء في مجلسه . نعم لك زيادة إكرام للغني إذا كان أقرب إليك أو كان بينك وبينه حق وصداقة سابقة ، ولكن يكون بحيث لو وجدت تلك العلاقة في فقير ، لكنت لا تقدم الغنى عليه في إكرام وتوقير البتة ، فإن الفقير أكرم على الله من الغنى فإيثارك له لا يكون إلا طمعا في غناه ، ورياء له . ثم إذا سويت بينهما في المجالسة ، فيخشى عليك أن تظهر الحكمة والخشوع للغني أكثر مما تظهره للفقير ، وإنما ذلك رياء خفى ، أو طمع خفى . كما قال ابن السماك لجارية له : مالي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة ؟ فقالت الطمع يشحذ لسانك . وقد صدقت . فإن اللسان ينطلق عند الغنى بما لا ينطلق به عند الفقير وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضر عند الفقير
إحياء علوم الدين — صفحة 178
مساهمون: الغزالي
ص١٧٨