ذلك الكلام وحده لما بكى . ولكن بكاء الناس يؤثر في ترقيق القلب . وقد لا يحضره البكاء فيتباكى تارة رياء وتارة مع الصدق ، إذ يخشى على نفسه قساوة القلب حين يبكون ولا تدمع عينه ، فيتباكى تكلفا . وذلك محمود ، وعلامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه ، هل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا ؟
فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عن أعينهم ، فإنما خوفه من أن يقال إنه قاسى القلب فينبغي أن يترك التباكي . قال لقمان عليه السّلام لابنه : لا ترى الناس أنك تخشى الله ليكرموك وقلبك فاجر . وكذلك الصيحة ، والتنفس ، والأنين عند القرءان أو الذكر ، أو بعض مجاري الأحوال ، تارة تكون من الصدق ، والحزن والخوف ، والندم ، والتأسف ، وتارة تكون لمشاهدته حزن غيره ، وقساوة قلبه ، فيتكلف التنفس والأنين ويتحازن . وذلك محمود .
وقد تقترن به الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن ، ليعرف بذلك . فإن تجردت هذه الداعية فهي الرياء . وإن اقترنت بداعية الحزن ، فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤه وتباكيه . وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره ، وضاع سعيه ، وتعرض لسخط الله تعالى به وقد يكون أصل الأنين عن الحزن ، ولكن يمده ويزيد في رفع الصوت . فتلك الزيادة رياء ، وهو محظور . لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء . فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه ، ولكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله ، فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت ، أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتى تبصر بعد أن استرسلت لخشية الله ، ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرياء . وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ، ثم يستحى أن يقال له إنه سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة فيزعق . يتواجد تكلفا ، ليرى أنه سقط لكونه مغشيا عليه ، وقد كان ابتداء السقطة عن صدق . وقد يزول عقله ، فيسقط ، ولكن يفيق سريعا . فتجزع نفسه أن يقال حالته غير ثابتة ، وإنما هي كبرق خاطف ، فيستديم الزعقة والرقص ليرى دوام حاله . وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه سريعا . فيجزع أن يقال لم تكن غشيته صحيحة ، ولو كان لدام ضعفه فيستديم إظهار الضعف والأنين ، فيتكئ على غيره ، يرى أنه يضعف عن القيام ، ويتمايل في المشي ، ويقرب الخطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة المشي . فهذه كلها مكايد الشيطان
إحياء علوم الدين — صفحة 172
مساهمون: الغزالي
ص١٧٢