تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وهو أن يشغله غمه باطلاع الناس على ذنبه عن اطلاع الله . فإن ذلك غاية النقصان في الدين بل ينبغي أن يكون غمه باطلاع الله وذمه له أكثر الخامس : أن يكره الذم من حيث إن الذام قد عصى الله تعالى به . وهذا من الإيمان ، وعلامته أن يكره ذمه لغيره أيضا . فهذا التوجع لا يفرق بينه وبين غيره ، بخلاف التوجع من جهة الطبع السادس : أن يستر ذلك كيلا يقصد بشر إذا عرف ذنبه . وهذا وراء ألم الذم . فإن الذم مؤلم من حيث يشعر القلب بنقصانه وخسته ، وإن كان ممن يؤمن شره . وقد يخاف شر من يطلع على ذنبه بسبب من الأسباب ، فله أن يستر ذلك حذرا منه السابع : مجرد الحياء ، فإنه نوع ألم وراء ألم الذم والقصد بالشر . وهو خلق كريم يحدث في أول الصبا مهما أشرق عليه نور العقل ، فيستحيي من القبائح إذا شوهدت منه . وهو وصف محمود ، إذ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الحياء خير كلَّه » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « الحياء شعبة من الإيمان » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « الحياء لا يأتي إلَّا بخير » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ الله يحبّ الحيىّ الحليم » فالذي يفسق ولا يبالي أن يظهر فسقه للناس ، جمع إلى الفسق التهتك ، والوقاحة ، وفقد الحياء . فهو أشد حالا ممن يستتر ويستحيي . إلا أن الحياء ممتزج بالرياء ، ومشتبه به اشتباها عظيما ، قل من يتفطن له . ويدعى كل مراء أنه مستحى ، وأن سبب تحسينه العبادات هو الحياء من الناس وذلك كذب . بل الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم ، وتهيج عقيبه داعية الرياء وداعية الإخلاص ، ويتصور أن يخلص معه ، ويتصور أن يرائي معه . وبيانه أن الرجل يطلب من صديق له قرضا ، ونفسه لا تسخو بإقراضه ، إلا أنه يستحيي من رده . وعلم أنه لو راسله على لسان غيره لكان لا يستحيي ، ولا يقرض رياء ولا لطلب الثواب . فله عند ذلك أحوال أحدها : أن يشافه بالرد الصريح ولا يبالي ، فينسب إلى قلة الحياء وهذا فعل من لا حياء له
شرح
[ 1 ] حديث الحياء خير كله : مسلم من حديث عمران بن حصين وقد تقدم [ 2 ] حديث الحياء شعبة من الإيمان : متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم [ 3 ] حديث الحياء لا يأتي إلا بخير : متفق عليه من حديث عمران بن حصين وقد تقدم [ 4 ] حديث ان الله يحب الحيي الحليم : الطبراني من حديث فاطمة وللبزار من حديث أبي هريرة ان الله يحب الغنى الحليم المتعفف وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه