الرياء بل يكرهه ويرده ، ويتمم العمل كذلك ، ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك ، وارتاح له ، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة . وهذا السرور يدل على رياء خفى ، منه يرشح السرور . ولولا التفات القلب إلى الناس ، لما ظهر سروره عند اطلاع الناس . فلقد كان الرياء مستكنا في القلب ، استكنان النار في الحجر ، فأظهر عنه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور . ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ، ولم يقابل ذلك بكراهية ، فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي من الرياء ، حتى يتحرك على نفسه حركة خفية ، فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه ، بالتعريض وإلقاء الكلام عرضا وإن كان لا يدعو إلى التصريح . وقد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضا وتصريحا ولكن بالشمائل ، كإظهار النحول ، والصفار ، وخفض الصوت ، ويبس الشفتين ، وجفاف الريق ، وآثار الدموع ، وغلبة النعاس الدال على طول التهجد . وأخفى من ذلك أن أن يختفى بحيث لا يريد الاطلاع ، ولا يسر بظهور طاعته ، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤه بالسلام ، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير ، وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء ، وأن يوسعوا له في المكان . فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ، ووجد لذلك استبعادا في نفسه ، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه . ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة ، لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه . ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله ، ولم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء ، [ 1 ] أخفى من دبيب النمل . وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ، ولا يسلم منه إلا الصديقون وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال : إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة ألم يكن يرخص عليكم السعر ؟ ألم تكونوا تبتدؤن بالسلام ؟ ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج ؟
وفي الحديث لا أجر لكم ، قد استوفيتم أجوركم . وقال عبد الله بن المبارك روى عن وهب ابن منبه
شرح
[ 1 ] حديث في الرياء شوائب أخفى من دبيب النمل : أحمد والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق وضعفه هو والدارقطني