تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الرياء بل يكرهه ويرده ، ويتمم العمل كذلك ، ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك ، وارتاح له ، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة . وهذا السرور يدل على رياء خفى ، منه يرشح السرور . ولولا التفات القلب إلى الناس ، لما ظهر سروره عند اطلاع الناس . فلقد كان الرياء مستكنا في القلب ، استكنان النار في الحجر ، فأظهر عنه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور . ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ، ولم يقابل ذلك بكراهية ، فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي من الرياء ، حتى يتحرك على نفسه حركة خفية ، فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه ، بالتعريض وإلقاء الكلام عرضا وإن كان لا يدعو إلى التصريح . وقد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضا وتصريحا ولكن بالشمائل ، كإظهار النحول ، والصفار ، وخفض الصوت ، ويبس الشفتين ، وجفاف الريق ، وآثار الدموع ، وغلبة النعاس الدال على طول التهجد . وأخفى من ذلك أن أن يختفى بحيث لا يريد الاطلاع ، ولا يسر بظهور طاعته ، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤه بالسلام ، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير ، وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء ، وأن يوسعوا له في المكان . فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ، ووجد لذلك استبعادا في نفسه ، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه . ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة ، لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه . ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله ، ولم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء ، [ 1 ] أخفى من دبيب النمل . وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ، ولا يسلم منه إلا الصديقون وقد روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال : إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة ألم يكن يرخص عليكم السعر ؟ ألم تكونوا تبتدؤن بالسلام ؟ ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج ؟ وفي الحديث لا أجر لكم ، قد استوفيتم أجوركم . وقال عبد الله بن المبارك روى عن وهب ابن منبه
شرح
[ 1 ] حديث في الرياء شوائب أخفى من دبيب النمل : أحمد والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق وضعفه هو والدارقطني
إحياء علوم الدين — صفحة 130 | الغزالي