فإن قلت : فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته ، فالسرور مذموم كله ؟
أو بعضه محمود وبعضه مذموم ؟ فنقول أولا : كل سرور فليس بمذموم . بل
السرور منقسم إلى محمود ، وإلى مذموم : فأما المحمود ، فأربعة أقسام .
الأول : أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ، ولكن لما اطلع عليه الخلق ، علم أن الله أطلعهم ، وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع الله به ، ونظره إليه ، وإلطافه به ، فإنه يستر الطاعة والمعصية ثم الله يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة . ولا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل . فيكون فرحه بجميل نظر الله له ، لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم . وقد قال تعالى * ( قُلْ بِفَضْلِ الله وبِرَحْمَتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) * « 1 » فكأنه ظهر له أنه عند الله مقبول ففرح به
الثاني : أن يستدل بإظهار الله الجميل ، وستره القبيح عليه في الدنيا ، أنه كذلك يفعل في الآخرة . إذ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما ستر الله على عبد ذنبا في الدّنيا إلَّا ستره عليه في الآخرة » فيكون الأول فرحا بالقبول في الحال ، من غير ملاحظة المستقبل ، وهذا التفات إلى المستقبل .
الثالث : أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة ، فيتضاعف بذلك أجره ، فيكون له أجر العلانية بما أظهر آخرا ، وأجر السر بما قصده أولا . ومن اقتدى به في طاعة فله مثل أجر أعمال المقتدين به ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . وتوقع ذلك جدير بأن يكون سبب السرور ، فإن ظهور مخايل الربح لذيذ ، وموجب للسرور لا محالة .
الرابع : أن يحمده المطلعون على طاعته ، فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم ، وبحبهم للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة ، إذ من أهل الإيمان من يرى أهل الطاعة فيمقته ويحسده ، أو يذمه ويهزأ به ، أو ينسبه إلى الرياء ولا يحمده عليه . فهذا فرح بحسن إيمان عباد الله ، وعلامة الإخلاص في هذا النوع أن يكون فرحه بحمدهم غيره ، مثل فرحه بحمدهم إياه
وأما المذموم وهو الخامس :
فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس ،
شرح
[ 1 ] حديث ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة : مسلم من حديث أبي هريرة
هامش
« 1 » يونس : 58