تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
أنه قال : إن رجلا من السواح قال لأصحابه : إنا إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان . فنخاف أن نكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم . إن أحدنا إذا لقى أحب أن يعظم لمكان دينه ، وإن اشترى شيئا أحب أن يرخص عليه لمكان دينه . فبلغ ذلك ملكهم ، فركب في موكب من الناس ، فإذا السهل والجبل قد امتلأ بالناس . فقال السائح ما هذا ؟ قيل هذا الملك قد أظلك . فقال للغلام . ائتني بطعام . فأتاه ببقل ، وزيت ، وقلوب الشجر . فجعل يحشو شدقه ويأكل أكلا عنيفا . فقال الملك . أين صاحبكم ؟ فقالوا هذا . قال كيف أنت ؟ قال كالناس . وفي حديث آخر بخير . فقال الملك ما عند هذا من خير . فانصرف عنه . فقال السائح الحمد لله الذي صرفك عنى وأنت لي ذام . فلم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي ، يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة ، يحرصون على إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم . كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة ، فيجازيهم الله في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق ، إذ علموا أن الله لا يقبل في القيامة إلا الخالص ، وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة ، وأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، ولا يجزى والد عن ولده ويشتغل الصديقون بأنفسهم ، فيقول كل واحد نفسي نفسي ، فضلا عن غيرهم . فكانوا كزوار بيت الله إذا توجهوا إلى مكة ، فإنهم يستصحبون مع أنفسهم الذهب المغربي الخالص لعلمهم بأن أرباب البوادي لا يروج عندهم الزائف والنبهرج . والحاجة تشتد في البادية ، ولا وطن يفزع إليه ، ولا حميم يتمسك به ، فلا ينجى إلا الخالص من النقد . فكذا يشاهد أرباب القلوب يوم القيامة ، والزاد الذي يتزودونه له من التقوى . فإذا شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء ، فإنه لما قطع طمعه عن البهائم ، لم يبال حضره البهائم أو الصبيان الرصع أم غابوا ، اطلعوا على حركته أم لم يطلعوا . فلو كان مخلصا قانعا بعلم الله ، لاستحقر عقلاء العباد كما استحقر صبيانهم ومجانينهم ، وعلم أن العقلاء لا يقدرون له على رزق ، ولا أجل ، ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب . كما لا يقدر عليه البهائم ، والصبيان ، والمجانين . فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب خفى ، ولكن ليس كل شوب محبطا للأجر ، مفسدا للعمل ، بل فيه تفصيل
إحياء علوم الدين — صفحة 131 | الغزالي