أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان . ثم قد لا يذكر ذلك متصلا بشربه ، كي لا يظن ، به أنه يعتذر رياء ، ولكنه يصبر ، ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا ، مثل أن يقول إن فلانا محب للإخوان ، شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه ، وقد ألح علىّ اليوم ولم أجد بدا من تطبيب قلبه . ومثل أن يقول إن أمي ضعيفة القلب ، مشفقة علىّ ، تظن أنى لو صمت يوما مرضت ، فلا تدعني أصوم . فهذا وما يجرى مجراه من آفات الرياء ، فلا يسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن . أما المخلص ، فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه . فإن لم يكن له رغبة في الصوم ، وقد علم الله ذلك منه ، فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله ، فيكون ملبسا . وإن كان له رغبة في الصوم لله ، قنع بعلم الله تعالى ، ولم يشرك فيه غيره . وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به ، وتحريك رغبة الناس فيه .
وفيه مكيدة وغرور ، وسيأتي شرح ذلك وشروطه فهذه درجات الرياء ، ومراتب أصناف المرائين ، وجميعهم تحت مقت الله وغضبه ، وهو من أشد المهلكات . وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل ، كما ورد به الخبر ، يزل فيه فحول العلماء ، فضلا عن العبّاد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب ، والله أعلم
بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل
اعلم أن الرياء جلى وخفى
فالجلي هو الذي يبعث على العمل ، ويحمل عليه ، ولو قصد الثواب . وهو أجلاه . وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده ، إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله ، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ، ويثقل عليه ، فإذا نزل عنده ضيف تنشط له ، وخف عليه ، وعلم أنه لولا رجاء الثواب لكان لا يصلى لمجرد رياء الضيفان ، وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ، ولا بالتسهيل والتخفيف أيضا ، ولكنه مع ذلك مستبطن في القلب . ومهما لم يؤثر في الدعاء إلى العمل ، لم يكن أن يعرف إلا بالعلامات وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس على طاعته . فرب عبد يخلص في عمله ، ولا يعتقد