أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص ، فإن لم تحضره النية ، فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة فليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله ، فإن ذلك استهزاء كما سبق .
الدرجة الثانية : أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ، ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته . كالتطويل في الركوع والسجود ، ومد القيام ، وتحسين الهيئة ، ورفع اليدين والمبادرة إلى التكبيرة الأولى ، وتحسين الاعتدال ، والزيادة في القراءة على السورة المعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان ، وطول الصمت . وكاختيار الأجود على الجيد في الزكاة وإعتاق الرقبة الغالية في الكفارة . وكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدم عليه .
الثالثة : أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا .
كحضوره الجماعة قبل القوم وقصده للصف الأول ، وتوجهه إلى يمين الإمام ، وما يجرى مجراه . وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ، ومتى يحرم بالصلاة .
فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به ، وبعضه أشد من بعض ، والكل مذموم
الركن الثالث : المرائي لأجله .
فإن للمرائي مقصودا لا محالة ، وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة . وله أيضا ثلاث درجات .
الأولى : وهي أشدها وأعظمها ، أن يكون مقصوده التمكن من معصية .
كالذي يرائي بعباداته ، ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع عن أكل الشبهات ، وغرضه أن يعرف بالأمانة ، فيولى القضاء ، أو الأوقاف ، أو الوصايا ، أو مال الأيتام ، فيأخذها .
أو يسلم إليه تفرقة الزكاة ، أو الصدقات ، ليستأثر بما قدر عليه منها . أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها . أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج ، فيختزل بعضها أو كلها .
أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ، ويتوصل بقوتهم إلى مقاصده الفاسدة في المعاصي . وقد يظهر بعضهم زي التصوف ، وهيئة الخشوع ، وكلام الحكمة ، على سبيل الوعظ والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور . وقد يحضرون مجالس العلم والتذكير وخلق القرءان ، يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرءان ، وغرضهم ملاحظة النساء والصبيان أو يخرج إلى الحج ، ومقصوده الظفر بمن في الرفقة من امرأة أو غلام . وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى ، لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ، واتخذوها آلة ومتجرا ، وبضاعة لهم في فسقهم
إحياء علوم الدين — صفحة 127
مساهمون: الغزالي
ص١٢٧