تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
القسم الثاني : الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها ، وهو أيضا على ثلاث درجات : الأولى : أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة ، كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ، ولا يطول القراءة ، فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود ، وترك الالتفات ، وتمم القعود بين السجدتين . وقد قال ابن مسعود . من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه عز وجل . أي أنه ليس يبالي باطلاع الله عليه في الخلوة ، فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة . ومن جلس بين يدي إنسان متربعا أو متكئا ، فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة ، كان ذلك منه تقديما للغلام على السيد ، واستهانة بالسيد لا محالة . وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملإ دون الخلوة . وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة ، أو من الحب الرديء ، فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق ، لا إكمالا لعبادة الصوم ، خوفا من المذمة . فهذا أيضا من الرياء المحظور ، لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق ، ولكنه دون الرياء بأصول التطوعات . فإن قال المرائي إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة ، فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود ، وكثرة الالتفات ، أطلقوا اللسان بالذم والغيبة ، وإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية ، فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس . وليس الأمر كذلك ، فإن ضررك من نقصان صلاتك ، وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك . فلو كان باعثك الدين ، لكان شفقتك على نفسك أكثر . وما أنت في هذا إلا كمن يهدى وصيفة إلى ملك ، لينال منه فضلا وولاية يتقلدها ، فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ، ولا يبالي به إذا كان الملك وحده ، وإذا كان عنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمة غلمانه . وذلك محال . بل من يراعى جانب غلام الملك ، ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر ، نعم للمرائي فيه حالتان : إحداهما . أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس ، وذلك حرام قطعا . والثانية أن يقول ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ، ولو خففت كانت صلاتي عند الله ناقصة ، وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم ، فأستفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم ، ولا أرجو عليه ثوابا ، فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة ، فيفوت الثواب وتحصل المذمة . فهذا فيه أدنى نظر . والصحيح