تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته ، لتشوش قلبه ، ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته ، بل يشتد لذلك غمه ، ويسعى بكل حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم ، مع قطع طمعه من أموالهم ، ولكنه يحب مجرد الجاه ، فإنه لذيذ كما ذكرناه في أسبابه ، فإنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزوال ، لا يغتر به إلا الجهال . ولكن أكثر الناس جهال ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته ، بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد ، لتكثر الرحلة إليه . ومنهم يريد الاشتهار عند الملوك ، لتقبل شفاعته ، وتنجز الحوائج على يده ، فيقوم له بذلك جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام ، وكسب مال ، ولو من الأوقاف وأموال اليتامى ، وغير ذلك من الحرام . وهؤلاء شر طبقات المرائين ، الذين يراؤن بالأسباب التي ذكرناها فهذه حقيقة الرياء وما به يقع الرياء . فإن قلت : فالرياء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل فأقول : فيه تفصيل ، فإن الرياء هو طلب الجاه ، وهو إما أن يكون بالعبادات ، فإن كان بغير العبادات ، فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد . ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات ، وأسباب محظورة ، فكذلك الجاه وكما أن كسب قليل من المال ، وهو ما يحتاج إليه الإنسان محمود ، فكسب قليل من الجاه ، وهو ما يسلم به عن الآفات أيضا محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال * ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) * « 1 » وكما أن المال فيه سم ناقع ، ودرياق نافع ، فكذلك الجاه . وكما أن كثير المال يلهى ويطغى ، وينسى ذكر الله والدار الآخرة ، فكذلك كثير الجاه بل أشد . وفتنة الجاه أعظم من فتنة المال وكما أنا لا نقول تملك المال الكثير حرام ، فلا نقول أيضا تملك القلوب الكثيرة حرام ، إلا إذا حملته كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز . نعم انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور ، كانصراف الهم إلى كثرة المال . ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها وأما سعة الجاه ، من غير حرص منك على طلبه ، ومن غير اغتمام بزواله إن زال . فلا ضرر فيه . فلا جاه أوسع من جاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وجاه الخلفاء الراشدين ، ومن بعدهم من علماء الدين ، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ، ولا يوصف بالتحريم
هامش
« 1 » يوسف : 55