تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
فعلى هذا نقول . تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة . وهو ليس بحرام ، لأنه ليس رياء بالعبادة ، بل بالدنيا . وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم . والدليل عليه ما روى عن عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] أراد أن يخرج يوما إلى الصحابة ، فكان ينظر في حب الماء ، ويسوى عمامته وشعره . فقالت أو تفعل ذلك يا رسول الله ؟ قال « نعم إنّ الله تعالى يحبّ من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم » نعم : هذا كان من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عبادة ، لأنه كان مأمورا بدعوة الخلق ، وترغيبهم في الاتباع ، واستمالة قلوبهم . ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله ، لئلا تزدريه أعينهم . فإن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر . فكان ذلك قصد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم ، حذرا من ذمهم ولومهم ، واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم ، كان قد قصد أمرا مباحا . إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ، ويطلب راحة الأنس بالإخوان . ومهما استثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم فإذا المرآة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة ، وقد تكون طاعة ، وقد تكون مذمومة . وذلك بحسب الغرض المطلوب بها . ولذلك نقول : الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء ، لا في معرض العبادة والصدقة ، ولكن ليعتقد الناس أنه سخي ، فهذا مراءاة ، وليس بحرام . وكذلك أمثاله . أما العبادات ، كالصدقة ، والصلاة ، والصيام والغزو ، والحج ، فللمرائى فيه حالتان : إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر ، وهذا يبطل عبادته ، لأن الأعمال بالنيات . وهذا ليس يقصد العبادة . ثم لا يقتصر على إحباط عبادته ، حتى نقول صار كما كان قبل العبادة ، بل يعصى بذلك ويأثم ، كما دلت عليه الأخبار والآيات . والمعنى فيه أمران : أحدهما : يتعلق بالعباد وهو التلبيس والمكر ، لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله ، وأنه أهل الدين وليس كذلك . والتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا ، حتى لو قضى دين جماعة ، وخيل إليهم ؟ ؟ ؟ أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به ، لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر
شرح
[ 1 ] حديث عائشة أراد أن يخرج على أصحابه وكان ينظر في حب الماء ويسوى عمامته وشعره - الحديث : ابن عدي في التكامل وقد تقدم في الطهارة
إحياء علوم الدين — صفحة 121 | الغزالي