لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فكيف يملكون لغيرهم هذا في الدنيا ! فكيف في يوم لا يجزى والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ! بل تقول الأنبياء فيه نفسي نفسي . فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ، ونيل القرب عند الله ، ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس ، فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله ، من حيث النقل والقياس جميعا . هذا إذا لم يقصد الأجر . فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعا في صدقته أو صلاته ، فهو الشرك الذي يناقض الإخلاص ، وقد ذكرنا حكمه في كتاب الإخلاص ويدل على ما نقلناه من الآثار ، قول سعيد بن المسيب ، وعبادة بن الصامت إنه لا أجر له فيه أصلا
بيان درجات الرياء
اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض . واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه .
وأركانه ثلاثة : المراءى به ، والمراءى لأجله ، ونفس قصد الرياء
الركن الأول : نفس قصد الرياء .
وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب ، وإما أن يكون مع إرادة الثواب . فإن كان كذلك ، فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب ، أو أضعف ، أو مساوية لإرادة العبادة . فتكون الدرجات أربعا
الأولى : وهي أغلظها ، أن لا يكون مراده الثواب أصلا .
كالذي يصلَّى بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلَّى . بل ربما يصلَّى من غير طهارة مع الناس . فهذا جرّد قصده إلى الرياء ، فهو الممقوت عند الله تعالى . وكذلك من يخرج الصدقة خوفا من مذمة الناس ، وهو لا يقصد الثواب ، ولو خلا بنفسه لما أدّاها . فهذه الدرجة العليا من الرياء
الثانية : أن يكون له قصد الثواب أيضا ، ولكن قصدا ضعيفا ، بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل . ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل . فهذا قريب مما قبله ، وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل ، لا ينفى عنه المقت والإثم
الثالثة : أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين ، بحيث لو كان كل واحد منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل . فلما اجتمعا انبعثت الرغبة . أو كان كل واحد
إحياء علوم الدين — صفحة 123
مساهمون: الغزالي
ص١٢٣