تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
القسم الأول : الرياء في الدين بالبدن . وذلك بإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد ، وعظم الحزن على أمر الدين ، وغلبة خوف الآخرة ، وليدل بالنحول على قلة الأكل ، وبالصفار على سهر الليل ، وكثرة الاجتهاد ، وعظم الحزن على الدين . وكذلك يرائى بتشعيث الشعر ، ليدل به على استغراق الهم بالدين ، وعدم التفرغ لتسريح الشعر . وهذه الأسباب مهما ظهرت ، استدل الناس بها على هذه الأمور ، فارتاحت النفس لمعرفتهم فلذلك تدعوه النفس إلى إظهارها لنيل تلك الراحة . ويقرب من هذا خفض الصوت ، وإغارة العينين ، وذبول الشفتين ، ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم . وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته ، أو ضعف الجوع هو الذي ضعف من قوته . وعن هذا قال المسيح عليه السّلام : إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ، ويرجل شعره ، ويكحل عينيه وكذلك روى عن أبي هريرة . وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء . ولذلك قال ابن مسعود . أصبحوا صياما مدهنين . فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن فأما أهل الدنيا ، فيراؤن بإظهار السمن ، وصفاء اللون واعتدال القامة ، وحسن الوجه ، ونظافة البدن . وقوة الأعضاء وتناسبها الثاني : الرياء بالهيئة والزي أما الهيئة . فبتشعيث شعر الرأس ، وحلق الشارب ، وإطراق الرأس في المشي ، والهدوء في الحركة ، وإبقاء أثر السجود على الوجه ، وغلظ الثياب ، ولبس الصوف ، وتشميرها إلى قريب من الساق ، وتقصير الإكمال وترك تنظيف الثوب ، وتركه مخرقا ، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه ، ومقتد فيه بعباد الله الصالحين ومن ذلك لبس المرقعة ، والصلاة على السجادة ، ولبس الثياب الزرق تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن . ومنه التقنع بالإزار فوق العمامة ، وإسبال الرداء على العينين ، ليرى به أنه قد انتهى تقشفه إلى الحذر من غبار الطريق ، ولتنصرف إليه الأعين بسبب تميزه بتلك العلامة . ومنه الدراعة والطيلسان ، يلبسه من هو خال عن العلم ، ليوهم أنه من أهل العلم . والمراؤن بالزي على طبقات . فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار الزهد ، فيلبس الثياب المخرقة ، الوسخة ، القصيرة ، الغليظة ، ليرائى بغلظها ، ووسخها ، وقصرها ، وتخرقها ، أنه غير مكترث بالدنيا . ولو كلف أن يلبس ثوبا وسطا نظيفا ، مما كان السلف يلبسه ، لكان عنده بمنزلة الذبح . وذلك لخوفه أن يقول