تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الناس قد بدا له من الزهد ، ورجع عن تلك الطريقة ، ورغب في الدنيا . وطبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصلاح ، وعند أهل الدنيا من الملوك ، والوزراء ، والتجار . ولو لبسوا الثياب الفاخرة ، ردهم القراء . ولو لبسوا الثياب المخرقة البذلة ، ازدرتهم أعين الملوك والأغنياء . فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدين والدنيا ، فلذلك يطلبون الأصواف الدقيقة والأكسية الرقيقة ، والمرقعات المصبوغة ، والفوط الرفيعة فليبسونها . ولعل قيمة ثوب أحدهم قيمة ثوب أحد الأغنياء ، ولونه وهيئته لون ثياب الصلحاء . فيلتمسون القبول عند الفريقين . وهؤلاء إن كلفوا لبس ثوب خشن أو وسخ ، لكان عندهم كالذبح ، خوفا من السقوط من أعين الملوك والأغنياء . ولو كلفوا لبس الديبقى ، والكتان الدقيق الأبيض ، والمقصب المعلم ، وإن كانت قيمته دون قيمة ثيابهم ، لعظم ذلك عليهم ، خوفا من أن يقول أهل الصلاح قد رغبوا في زي أهل الدنيا . وكل طبقة منهم رأى منزلته في زي مخصوص ، فيثقل عليه الانتقال إلى ما دونه ، أو إلى ما فوقه ، وإن كان مباحا . خيفة من المذمة وأما أهل الدنيا : فمراءاتهم بالثياب النفيسة ، والمراكب الرفيعة ، وأنواع التوسع والتجمل في الملبس ، والمسكن ، وأثاث البيت ، وفره الخيول . وبالثياب المصبغة ، والطيالسة النفيسة ، وذلك ظاهر بين الناس ، فإنهم يلبسون في بيوتهم الثياب الخشنة ، ويشتد عليهم لو برزوا للناس على تلك الهيئة ، ما لم يبالغوا في الزينة الثالث : الرياء بالقول . ورياء أهل الدين بالوعظ ، والتذكير ، والنطق بالحكمة ، وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة ، وإظهار الغزارة العلم ، ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين ، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بمشهد الخلق ، وإظهار الغضب للمنكرات ، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي ، وتضعيف الصوت في الكلام ، وترقيق الصوت بقراءة القرءان ، ليدل بذلك على الخوف ، والحزن ، وادعاء حفظ الحديث ، ولقاء الشيوخ ، والدق على من يروى الحديث ببيان خلل في لفظه ، ليعرف أنه بصير بالأحاديث . والمبادرة إلى أن الحديث صحيح أو غير صحيح ، لإظهار الفضل فيه . والمجادلة على قصد إفحام الخصم ، ليظهر للناس قوته في علم الدين . والرياء بالقول كثير ، وأنواعه لا تنحصر