تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
والثاني : يتعلق باللَّه ، وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله ، فهو مستهزئ باللَّه ولذلك قال قتادة : إذا راءى العبد ، قال الله لملائكته انظروا إليه كيف يستهزئ بي . ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار ، كما جرت عادة الخدم ، وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواري الملك ، أو غلام من غلمانه ، فإن هذا استهزاء بالملك ، إذ لم يقصد التقريب إلى الملك بخدمته ، بل قصد بذلك عبدا من عبيده . فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ضعيف ، لا يملك له ضرا ولا نفعا ! وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله ؟ وأنه أولى بالتقرب إليه من الله ؟ إذ آثره على ملك الملوك ، فجعله مقصود عبادته . وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى ؟ فهذا من كبائر المهلكات ولهذا سماه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] الشرك الأصغر نعم : بعض درجات الرياء أشد من بعض ، كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء الله تعالى . ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف ، بحسب ما به المرآة ، ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله ، لكان فيه كفاية ، فإنه وإن لم يقصد التقرب إلى الله ، فقد قصد غير الله . ولعمري لو عظم غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا . إلا أن الرياء هو الكفر الخفي ، لأن المرائي عظم في قلبه الناس ، فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع ، فكان الناس هم المعظمون بالسجود ، من وجه . ومهما زال قصد تعظيم الله بالسجود ، وبقي تعظيم الخلق ، كان ذلك قريبا من الشرك ، إلا أنه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده ، بإظهاره من نفسه صورة التعظيم لله . فعن هذا كان شركا خفيا لا شركا جليا ، وذلك غاية الجهل . ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان ، وأوهم عنده أن العباد يملكون من ضره ، ونفعه ، ورزقه ، وأجله ، ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه الله تعالى . فلذلك عدل بوجهه عن الله إليهم ، وأقبل بقلبه عليهم ، ليستميل بذلك قلوبهم . ولو وكله الله تعالى إليهم في الدنيا والآخرة ، لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه ، فإن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم ،
شرح
[ 1 ] حديث سمى الرياء الشرك الأصغر : أحمد من حديث محمود بن لبيد وقد تقدم ورواه الطبراني من رواية محمود ابن لبيد عن رافع بن خديج فجعله في مسند رافع وتقدم قريبا وللحاكم وصحح اسناده من حديث شداد بن أوس كنا نعد على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر .