واعفه مما تحب أن يعفيك منه ، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به ، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاجترام . وقيل للقمان الحكيم ، ما حكمتك ؟ قال لا أسأل عما كفيت ، ولا أتكلف ما لا يعنيني . وقال مورق العجلي ، أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة ، لم أقدر عليه ، ولست بتارك طلبه . قالوا وما هو ؟ قال السكوت عما لا يعنيني . وقال عمر رضي الله عنه لا تتعرض لما لا يعنيك ، واعتزل عدوك ، واحذر صديقك من القوم إلا الأمين ، ولا أمين إلا من خشي الله تعالى . ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ، ولا تطلعه على سرك ، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى
وحد الكلام فيما لا يعنيك ، أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم
، ولم تستضر به في حال ، ولا مال . مثاله أن تجلس مع قوم ، فتذكر لهم أسفارك . وما رأيت فيها من جبال وأنهار ، وما وقع لك من الوقائع ، وما استحسنته من الأطعمة والثياب ، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم . فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر . وإذا بالغت في الجهاد ، حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ، ولا تزكية نفس ، من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ، ولا اغتياب لشخص ، ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى ، فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك . وأنّى تسلم من الآفات التي ذكرناها ! ومن جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك . فأنت بالسؤال مضيع وقتك ، وقد ألجأت صاحبك أيضا بالجواب إلى التضييع . هذا إذا كان الشيء مما لا يتطرق إلى السؤال عنه آفة وأكثر الأسئلة فيها آفات ، فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلا فتقول له ، هل أنت صائم ؟
فإن قال نعم ، كان مظهرا لعبادته ، فيدخل عليه الرياء ، وإن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان السر ، وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات . وإن قال لا ، كان كاذبا . وإن سكت ، كان مستحقرا لك ، وتأذيت به . وإن احتال لمدافعة الجواب ، افتقر إلى جهد ، وتعب فيه .
فقد عرضته بالسؤال إما للرياء ، أو للكذب ، أو للاستحقار ، أو للتعب في حيلة الدفع وكذلك سؤالك عن سائر عباداته ، وكذلك سؤالك عن المعاصي ، وعن كل ما يخفيه ويستحى منه ، وسؤالك عما حدّث به غيرك . فتقول له ما ذا تقول ؟ وفيم أنت ؟ وكذلك ترى إنسانا في الطريق ، فتقول من أين ؟ فربما يمنعه مانع من ذكره ، فإن ذكره تأذى به واستحيي
إحياء علوم الدين — صفحة 208
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٨