وهو أيضا مذموم لما سبق . وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر . قال عطاء بن أبي رباح : إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدّون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أمرا بمعروف ، أو نهيا عن منكر ، أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها . أتنكرون أن عليكم حافظين ، كراما كاتبين ، عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ! أما يستحى أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره ، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وعن بعض الصحابة قال إن الرجل ليكلمني بالكلام ، لجوابه أشهى إلىّ من الماء البارد إلى الظمآن ، فأترك جوابه ، خيفة أن يكون فضولا . وقال مطرف ، ليعظم جلال الله في قلوبكم ، فلا تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار ، اللهم أخزه ، وما أشبه ذلك
واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر .
بل المهم محصور في كتاب الله تعالى . قال الله عز وجل * ( لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ إِلَّا من أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) * « 1 » وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله » فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك ، فأمسكوا فضل المال ، وأطلقوا فضل اللسان ! وعن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه ، قال [ 2 ] قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر ، فقالوا أنت والدنا ، وأنت سيدنا ؟ وأنت أفضلنا علينا فضلا وأنت أطولنا علينا طولا ، وأنت الجفنة الغراء ، وأنت وأنت ، فقال « قولوا قولكم ولا يستهوينّكم الشّيطان » إشارة إلى أن اللسان إذا أطلق بالثناء ، ولو بالصدق ، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها وقال ابن مسعود ، أنذركم فضول كلامكم .
شرح
( الآفة الثانية فضول الكلام )
[ 1 ] حديث طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله : البغوي وابن قانع في معجمى الصحابة والبيهقي من حديث ركب المصري وقال ابن عبد البر انه حديث حسن وقال البغوي لا أدرى سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا وقال ابن مندة مجهول لا نعرف له صحبة ورواه البزار من حديث أنس بسند ضعيف
[ 2 ] حديث مطرف بن عبد الله عن أبيه قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا - الحديث : د ن في اليوم والليلة بلفظ آخر ورواه ابن أبي الدنيا بلفظ المصنف
هامش
« 1 » النساء : 114