فهذه آفات كثيرة ، وهي سياقة إلى اللسان ، لا تثقل عليه ، ولها حلاوة في القلب ، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان ، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان ، فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب ، فإن ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفصيله ففي الخوض خطر ، وفي الصمت سلامة . فلذلك عظمت فضيلته . هذا مع ما فيه من جمع الهم ، ودوام الوقار ، والفراغ للفكر والذكر والعبادة ، والسلامة من تبعات القول في الدنيا ، ومن حسابه في الآخرة ، فقد قال تعالى * ( ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه ِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * « 1 » ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر ، وهو أن الكلام أربعة أقسام ، قسم هو ضرر محض ، وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة ، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة أما الذي هو ضرر محض ، فلا بد من السكوت عنه ، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر ، فهو فضول ، والاشتغال به تضييع زمان ، وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع . فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام ، وبقي ربع . وهذا الربع فيه خطر ، إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء ، والتصنع ، والغيبة ، وتزكية النفس ، وفضول الكلام ، امتزاجا يخفى دركه ، فيكون الإنسان به مخاطرا وعن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره ، علم قطعا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب ، حيث قال [ 1 ] « من صمت نجا » [ 2 ] فلقد أوتي والله جواهر الحكم قطعا ، وجوامع الكلم ، ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء ، وفيما سنذكره من الآفات ، وعسر الاحتراز عنها ، ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى .
ونحن الآن نعد آفات اللسان
، ونبتدئ بأخفها ، وتترقى إلى الأغلظ قليلا ونؤخر الكلام في الغيبة والنميمة والكذب ، فإن النظر فيها أطول ، وهي عشرون آفة ، فاعلم ذلك ترشد بعون الله تعالى
شرح
[ 1 ] حديث من صمت نجا : تقدم
[ 2 ] حديث انه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم : م من حديث أبي هريرة وقد تقدم
هامش
« 1 » ق : 18