تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وإن لم يصدق وقع في الكذب ، وكنت السبب فيه . وكذلك تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها ، والمسؤول ربما لم تسمح نفسه بأن يقول لا أدرى ، فيجيب عن غير بصيرة ولست أعنى بالتكلم فيما لا يعنى هذه الأجناس ، فإن هذا يتطرق إليه إثم أو ضرر . وإنما مثال ما لا يعنى ما روى أن لقمان الحكيم ، دخل على داود عليه السلام ، وهو يسرد درعا ، ولم يكن رآها قبل ذلك اليوم . فجعل يتعجب مما رأى . فأراد أن يسأله عن ذلك ، فمنعته حكمته ، فأمسك نفسه ولم يسأله . فلما فرغ ، قام داود ولبسه ، ثم قال نعم الدرع للحرب . فقال لقمان ، الصمت حكم وقليل فاعله . أي حصل العلم به من غير سؤال ، فاستغنى عن السؤال . وقيل إنه كان يتردد إليه سنة ، وهو يريد أن يعلم ذلك من غير سؤال فهذا وأمثاله من الأسئلة ، إذا لم يكن فيه ضرر ، وهتك ستر ، وتوريط في رياء وكذب وهو مما لا يعنى ، وتركه من حسن الإسلام ، فهذا حده وأما سببه الباعث عليه ، فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه ، أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد ، أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها . وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه ، وأنه مسؤول عن كل كلمة ، وأن أنفاسه رأس ماله ، وأن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين ، فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين . هذا علاجه من حيث العلم ، وأما من حيث العمل ، فالعزلة ، أو أن يضع حصاة في فيه ، وأن يلزم نفسه السكوت بها عن بعض ما يعنيه ، حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه ، وضبط اللسان في هذا على غير المعتزل شديد جدا الآفة الثانية فضول الكلام وهو أيضا مذموم . وهذا يتناول الخوض فيما لا يعنى ، والزيادة فيما يعنى على قدر الحاجة فإن من يعنيه أمر ، يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ، ويمكنه أن يجسمه ، ويقرره ، ويكرره ومهما تأدى مقصوده بكلمة واحدة ، فذكر كلمتين ، فالثانية فضول . أي فضل عن الحاجة
إحياء علوم الدين — صفحة 209 | الغزالي