وقد أوردنا هذه الأخبار في بيان حق المسلمين من كتاب آداب الصحبة فلا نعيدها فإن قلت : فما حد الظهور والاستتار فاعلم أن من أغلق باب داره ، وتستر بحيطانه ، فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية ، إلا أن يظهر في الدار ظهورا يعرفه من هو خارج الدار ، كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار ، فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم ، بحيث يسمعها أهل الشوارع ، فهذا إظهار موجب للحسبة ، فإذا إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر ، فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمور المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشرب ، فهذا محتمل ، والظاهر جواز الحسبة وقد تستر قارورة الخمر في الحكم وتحت الذيل ، وكذلك الملاهي ، فإذا رؤي فاسق ، وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة ، فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر ، إذ الفاسق محتاج أيضا إلى الخل وغيره ، فلا يجوز أن يستدل بإخفائه وأنه لو كان حلالا لما أخفاه ، لأن الأغراض في الإخفاء مما تكثر ، وإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر ، والظاهر أن له الاحتساب ، لأن هذه علامة تفيد الظن ، والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور ، وكذلك العود ربما يعرف بشكله ، إذا كان الثوب الساتر له رقيقا فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت ، وما ظهرت دلالته فهو غير مستور ، بل هو مكشوف وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله ، وننكر على من أبدى لنا صفحته ، والإبداء له درجات ، فتارة يبدو لنا بحاسة السمع ، وتارة بحاسة الشم ، وتارة بحاسة البصر ، وتارة بحاسة اللمس ، ولا يمكن أن نخصص ذلك بحاسة البصر ، بل المراد العلم ، وهذه الحواس أيضا تفيد العلم فإذا إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثوب إذ علم أنه خمر ، وليس له أن يقول أرني لأعلم ما فيه ، فإن هذا تجسس ومعنى التجسس ، طلب الأمارات المعرفة ، فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت المعرفة جاز العمل بمقتضاها ، فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلا
الشرط الرابع : أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد
فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه ، فليس للحنفى أن ينكر على الشافعي أكله
إحياء علوم الدين — صفحة 37
مساهمون: الغزالي
ص٣٧