والخمر ، فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ، ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها ، وذلك يثبت للآحاد والرعية
الثالثة أن يكون المنكر متوقعا
، كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه ، وجمع الرياحين لشرب الخمر ، وبعد لم يحضر الخمر ، فهذا مشكوك فيه ، إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح ، فأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد ، ولا للسلطان إلا إذا كانت تلك المعصية علمت منه بالعادة المستمرة ، وقد أقدم على السبب المؤدى إليها ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار ، وذلك كوقوف الأحداث على أبواب حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج ، فإنهم وإن لم يضيقوا الطريق لسعته ، فتجوز الحسبة عليهم بإقامتهم من الموضع ومنعهم عن الوقوف بالتعنيف والضرب ، وكان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في نفسه معصية ، وإن كان مقصد العاصي وراءه ، كما أن الخلوة بالأجنبية في نفسها معصية لأنها مظنة وقوع المعصية ، وتحصيل مظنة المعصية معصية ، ونعني بالمظنة ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعصية غالبا ، بحيث لا يقدر على الانكفاف عنها ، فإذا هو على التحقيق حسبة على معصية راهنة لا على معصية منتظرة
الركن الثاني للحسبة ما فيه الحسبة
وهو كل منكر موجود في الحال ، ظاهر للمحتسب بغير تجسس ، معلوم كونه منكرا بغير اجتهاد
، فهذه أربعة شروط فلنبحث عنها
الأول : كونه منكرا :
ونعني به أن يكون محذور الوقوع في الشرع ، وعدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا ، لأن المنكر أعم من المعصية ، إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة ، فعليه أن يمنعه منه ، وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل ، وظهوره بين الناس ، بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه
إحياء علوم الدين — صفحة 35
مساهمون: الغزالي
ص٣٥