تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
فاعلم أن المسائل تنقسم إلى ما يتصور أن يقال فيه كل مجتهد مصيب ، وهي أحكام الأفعال في الحل والحرمة ، وذلك هو الذي لا يعترض على المجتهدين فيه ، إذ لم يعلم خطؤهم قطعا بل ظنا ، وإلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه الا واحدا ، كمسألة الرؤية ، والقدر ، وقدم الكلام ، ونفى الصورة ، والجسمية ، والاستقرار عن الله تعالى ، فهذا مما يعلم خطأ المخطئ فيه قطعا ، ولا يبقي لخطئه الذي هو جهل محض وجه ، فإذا البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها ، وتنكر على المبتدعين بدعهم ، وإن اعتقدوا أنها الحق ، كما يرد على اليهود والنصارى كفرهم ، وإن كانوا يعتقدون أن ذلك حق ، لأن خطأهم معلوم على القطع ، بخلاف الخطأ في في مظان الاجتهاد فإن قلت : فمهما اعترضت على القدري ، في قوله : الشر ليس من الله : اعترض عليك القدري أيضا ، في قولك : الشر من الله ، وكذلك قولك . إن الله يرى ، وفي سائر المسائل إذ المبتدع محق عند نفسه ، والمحق مبتدع عند المبتدع ، وكل يدعى أنه محق ، وينكر كونه مبتدعا فكيف يتم الاحتساب فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول ، ينظر إلى البلدة التي فيها أظهرت تلك البدعة ، فإن كانت البدعة غريبة ، والناس كلهم على السنة ، فلهم الحسبة عليه بغير إذن السلطان ، وإن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة ، وأهل السنة ، وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان ، فإذا رأى السلطان الرأي الحق ونصره ، وأذن لواحد أن يزجر المتبدعة عن إظهار البدعة ، كان له ذلك وليس لغيره ، فإن ما يكون بإذن السلطان لا يتقابل ، وما يكون من جهة الآحاد فيتقابل الأمر فيه وعلى الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات ، ولكن ينبغي أن يراعى فيها هذا التفصيل الذي ذكرناه ، كيلا يتقابل الأمر فيها ، ولا ينجر إلى تحريك الفتنة ، بل لو أذن السلطان مطلقا في منع كل من يصرح بأن القرآن مخلوق ، أو أن الله لا يرى ، أو أنه مستقر على العرش مماس له ، أو غير ذلك من البدع لتسلط الآحاد على المنع منه ، ولم يتقابل الأمر فيه ، وإنما يتقابل عند عدم إذن السلطان فقط .
إحياء علوم الدين — صفحة 40 | الغزالي