تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
كان ما يفوت من حقوقهم يفوت على طريق المعصية ، كالضرب والنهب ، فليس له هذه الحسبة ، لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر ، وإن كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاء للمسلم أيضا ، وليس له ذلك إلا برضاهم ، فإذا كان يؤدى ذلك إلى أذى قومه فليتركه ، وذلك كالزاهد الذي له أقارب أغنياء ، فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان ، ولكنه يقصد أقاربه انتقاما منه بواسطتهم ، فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها ، فإن إيذاء المسلمين محذور ، كما أن السكوت على المنكر محذور ، نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو نفس ، ولكن ينالهم الأذى بالشتم والسب فهذا فيه نظر ، ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحشها ، ودرجات الكلام المحذور في نكايته في القلب ، وقدحه في العرض فإن قيل : فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه ، وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ، ربما يؤدى إلى قتله ، فهل يقاتل عليه ؟ فإن قلتم يقاتل فهو محال ، لأنه إهلاك نفس خوفا من إهلاك طرف ، وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف أيضا قلنا : يمنعه عنه ، ويقاتله إذ ليس غرضنا حفظ نفسه وطرفه ، بل الغرض حسم سبيل المنكر والمعصية ، وقتله في الحسبة ليس بمعصية ، وقطع طرف نفسه معصية ، وذلك كدفع الصائل على مال مسلم بما يأتي على قتله ، فإنه جائز لا على معنى أنا نفدي درهما من مال مسلم بروح مسلم ، فإن ذلك محال ، ولكن قصده لأخذ مال المسلمين معصية ، وقتله في الدفع عن المعصية ليس بمعصية ، وإنما المقصود دفع المعاصي فإن قيل : فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه ، فينبغي أن نقتله في الحال حسما لباب المعصية قلنا : ذلك لا يعلم يقينا ، ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ، ولكنا إذا رأيناه في حال مباشرة القطع دفعناه ، فإن قاتلنا قاتلناه ، ولم نبال بما يأتي على روحه ، فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال إحداها . أن تكون متصرمة ، فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير ، وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد الثانية : أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها ، كلبسه الحرير ، وإمساكه العود
إحياء علوم الدين — صفحة 34 | الغزالي