تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون ، إذ معصية لا عاصي بها محال ، فلفظ المنكر أدلّ عليه وأعم من لفظ المعصية ، وقد أدرجنا في عموم هذا الصغيرة والكبيرة ، فلا تختص الحسبة بالكبائر ، بل كشف العورة في الحمام ، والخلوة بالأجنبية ، واتباع النظر للنسوة الأجنبيات ، كل ذلك من الصغائر ، ويجب النهى عنها ، وفي الفرق بين الصغيرة والكبيرة نظر سيأتي في كتاب التوبة الشرط الثاني : أن يكون موجودا في الحال وهو احتراز أيضا عن الحسبة على من فرغ من شرب الخمر ، فإن ذلك ليس إلى الآحاد وقد انقرض المنكر ، واحتراز عما سيوجد في ثاني الحال ، كمن يعلم بقرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته ، فلا حسبة عليه إلا بالوعظ ، وإن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه أيضا فإن فيه إساءة ظن بالمسلم ، وربما صدق في قوله ، وربما لا يقدم على ما عزم عليه لعائق وليتنبه للدقيقة التي ذكرناها ، وهو أن الخلوة بالأجنبية معصية ناجزة وكذا الوقوف على باب حمام النساء ، وما يجرى مجراه الشرط الثالث : أن يكون المنكر ظاهرا للمحتسب بغير تجسس فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه وقد نهى الله تعالى عنه وقصة عمر وعبد الرحمن بن عوف فيه مشهورة وقد أوردناها في كتاب آداب الصحبة وكذلك ما روى أن عمر رضي الله عنه ، تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين : إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد ، فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه ، فقال وما هي ؟ فقال قد قال الله تعالى * ( ولا تَجَسَّسُوا ) * « 1 » وقد تجسست ، وقال تعالى * ( وأْتُوا الْبُيُوتَ من أَبْوابِها ) * « 2 » وقد تسورت من السطح ، وقال * ( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ) * « 3 » وما سلمت فتركه عمر ، وشرط عليه التوبة ولذلك شاور عمر الصحابة رضي الله عنهم ، وهو على المنبر ، وسألهم عن الإمام إذا شاهد بنفسه منكرا فهل له إقامة الحد فيه ، فأشار علىّ رضي الله عنه بأن ذلك منوط بعدلين ، فلا يكفي فيه واحد
هامش
« 1 » الحجرات : 12 . « 2 » البقرة : 189 . « 3 » النور : 27 .