تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
لجهلهما بوجود الصفة لا يخرج الفعل عن كونه منكرا ، ولا يتقاعد ذلك عن زنا المجنون وقد بينا أنه يمنع منه ، فإذا كان يمنع مما هو منكر عند الله وإن لم يكن منكرا عند الفاعل ولا هو عاص به لعذر الجهل ، فيلزم من عكس هذا أن يقال : ما ليس بمنكر عند الله وإنما هو منكر عند الفاعل لجهله ، لا يمنع منه ، وهذا هو الأظهر والعلم عند الله فتحصل من هذا أن الحنفي لا يعترض على الشافعي في النكاح بلا ولي ، وأن الشافعي يعترض على الشافعي فيه ، لكون المعترض عليه منكرا ، باتفاق المحتسب والمحتسب عليه وهذه مسائل فقهية دقيقة ، والاحتمالات فيها متعارضة ، وإنما أفتينا فيها بحسب ما نرجح عندنا في الحال ، ولسنا نقطع بخطإ ترجيح المخالف فيها ، إن رأى أنه لا يجرى الاحتساب إلا في معلوم على القطع ، وقد ذهب إليه ذاهبون ، وقالوا لا حسبة إلا في مثل الخمر والخنزير وما يقطع بكونه حراما ، ولكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد ، إذ يبعد غاية البعد ، أن يجتهد في القبلة ويعترف بظهور القبلة عنده في جهة بالدلالات الظنية ، ثم يستدبرها ، ولا يمنع منه لأجل ظن غيره ، لأن الاستدبار هو الصواب ورأى من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به ، ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا ، فهذا مذهب لا يثبت ، وإن ثبت فلا يعتد به فإن قلت : إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بلا ولي ، لأنه يرى أنه حق فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله : إن الله لا يرى ، وقوله : وإن الخير من الله ، والشر ليس من الله ، وقوله : كلام الله مخلوق ، ولا على الحشوي في قوله : إن الله تعالى جسم وله صورة وأنه مستقر على العرش ، بل لا ينبغي أن يعترض على الفلسفي في قوله : الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس ، لأن هؤلاء أيضا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق فإن قلت : بطلان مذهب هؤلاء ظاهر ، فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضا ظاهر ، وكما ثبت بظواهر النصوص أن الله تعالى يرى ، والمعتزل ينكرها بالتأويل ، فكذلك ثبت بظواهر النصوص مسائل خالف فيها الحنفي ، كمسألة النكاح بلا ولي ومسألة شفعة الجوار ونظائرهما
إحياء علوم الدين — صفحة 39 | الغزالي