الضب ، والضبع ، ومتروك التسمية ، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر ، وتناوله ميراث ذوي الأرحام ، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار ، إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد .
نعم : لو رأى الشافعي شافعيا يشرب النبيذ ، وينكح بلا ولي ويطأ زوجته ، فهذا في محل النظر ، والأظهر أن له الحسبة والإنكار ، إذ لم يذهب أحد من المحصلين ، إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ، ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء ، أن له أن يأخذ بمذهب غيره ، فينتقد من المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل ، فإذا مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرا بين المحصلين ، وهو عاص بالمخالفة ، إلا أنه يلزم من هذا أمر أغمض منه ، وهو أنه يجوز للحنفي أن يعترض على الشافعي إذا نكح بغير ولى ، بأن يقول له الفعل في نفسه حق ، ولكن لا في حقك ، فأنت مبطل بالإقدام عليه مع اعتقادك أن الصواب مذهب الشافعي ، ومخالفة ما هو صواب عندك معصية في حقك ، وإن كانت صوابا عند الله ، وكذلك الشافعي يحتسب على الحنفي إذا شاركه في أكل الضب ، ومتروك التسمية وغيره ، ويقول له إما أن تعتقد أن الشافعي أولى بالاتباع ، ثم تقدم عليه ، أو لا تعتقد ذلك ، فلا تقدم عليه ، لأنه على خلاف معتقدك ، ثم ينجر هذا إلى أمر آخر من المحسوسات ، وهو أن يجامع الأصم مثلا امرأة على قصد الزنا ، وعلم المحتسب أن هذه امرأته زوجه أبوه إياها في صغره ، ولكنه ليس يدرى ، وعجز عن تعريفه ذلك لصممه ، أو لكونه غير عارف بلغته ، فهو في الإقدام مع اعتقاده أنها أجنبية عاص ، ومعاقب عليه في الدار الآخرة ، فينبغي أن يمنعها عنه مع أنها زوجته ، وهو بعيد من حيث إنه حلال في علم الله ، قريب من حيث إنه حرام عليه بحكم غلطه وجهله ، ولا شك في أنه لو علق طلاق زوجته على صفة في قلب المحتسب مثلا ، من مشيئة أو غضب أو غيره ، وقد وجدت الصفة في قلبه ، وعجز عن تعريف الزوجين ذلك ولكن علم وقوع الطلاق في الباطن ، فإذا رآه يجامعها فعليه المنع ، أعنى باللسان لأن ذلك زنا ، إلا أن الزاني غير عالم به ، والمحتسب عالم بأنها طلقت منه ثلاثا ، وكونهما غير عاصيين
إحياء علوم الدين — صفحة 38
مساهمون: الغزالي
ص٣٨