منديله في رقبته ويدار به في البلد ، أو يسود وجهه ويطاف به ، وكل ذلك من غير ضرب مؤلم للبدن ، وهو قادح في الجاه ، ومؤلم للقلب ، وهذا له درجات فالصواب أن يقسم إلى ما يعبر عنه بسقوط المروءة ، كالطواف به في البلد حاسرا حافيا فهذا يرخص له في السكوت لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع ، وهذا مؤلم للقلب ألما يزيد على ألم ضربات متعددة وعلى فوات دريهمات قليلة ، فهذه درجة الثانية ما يعبر عنه بالجاه المحض وعلو الرتبة ، فان الخروج في ثياب فاخرة تجمل ، وكذلك الركوب للخيول ، فلو علم أنه لو احتسب لكلف المشي في السوق في ثياب لا يعتاد هو مثلها أو كلف المشي راجلا وعادته الركوب ، فهذا من جملة المزايا وليست المواظبة على حفظها محمودة ، وحفظ المروءة محمود ، فلا ينبغي أن يسقط وجوب الحسبة بمثل هذا القدر ، وفي معنى هذا ما لو خاف أن يتعرض له باللسان ، أما في حضرته بالتجهيل والتحميق ، والنسبة إلى الرياء والبهتان وأما في غيبته بأنواع الغيبة فهذا لا يسقط الوجوب ، إذ ليس فيه إلا زوال فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة ولو تركت الحسبة بلوم لائم ، أو باغتياب فاسق ، أو شتمه وتعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله ، لم يكن للحسبة وجوب أصلا ، إذ لا تنفك الحسبة عنه إلا إذا كان المنكر هو الغيبة ، وعلم أنه لو أنكر لم يسكت عن المغتاب ، ولكن أضافه إليه وأدخله معه في الغيبة ، فتحرم هذه الحسبة لأنها سبب زيادة المعصية ، وإن علم أنه يترك تلك الغيبة ويقتصر على غيبته فلا تجب عليه الحسبة ، لأن غيبته أيضا معصية في حق المغتاب ، ولكن يستحب له ذلك ليفدى عرض المذكور بعرض نفسه على سبيل الإيثار ، وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة وعظم الخطر في السكوت عنها ، فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره ، والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها ، فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل ، وطلب ثناء الخلق ، فكل ذلك لا خطر له وأما امتناعه لخوف شيء من هذه المكاره في حق أولاده وأقاربه ، فهو في حقه دونه ، لأن تأذيه بأمر نفسه أشد من تأذيه بأمر غيره ، ومن وجه الدين هو فوقه ، لأن له أن يسامح في حقوق نفسه ، وليس له المسامحة في حق غيره ، فإذا ينبغي أن يمتنع ، فإنه إن
إحياء علوم الدين — صفحة 33
مساهمون: الغزالي
ص٣٣