السببية لان معنى القياس الاشتراك في العلة وبه يمكن التشريك في الحكم وأيضا الحكمة المشتركة اما أن تكون ظاهرة منضبطة يمكن جعلها مناطا للحكم أو لا تكون فعلى الأول قد استغنى القياس عن الالتفات إلى الوصفين وصار القياس في الحكم المترتب على الحكمة وهي الجامع بينهما فاتحد الحكم والسبب وهو خلاف المفروض وعلى الثاني فإما ان يكون لها مظنة أي وصف ظاهر منضبط تنضبط هي به أو لا فعلى الأول صار القياس في الحكم المترتب على ذلك الوصف فاتحد الحكم والسبب أيضا وعلى الثاني لا جامع بينهما من حكمة أو مظنة فيكون قياسا خاليا عن الجامع وهو لا يجوز واحتج القائلون بالجواز بأنه قد ثبت القياس في الأسباب وذلك كقياس المثقل على المحدد في كونه سببا للقصاص وقياس اللواطة على الزنا في كونها سببا للحد وأجيب بأن ذلك خارج عن محل النزاع لأن النزاع انما هو فيما تغاير فيه السبب في الأصل والفرع أي الوصف المتضمن للحكمة وكذا العلة وهي الحكمة وههنا السبب سبب واحد يثبت لهما أي لمحلي الحكم وهما الأصل والفرع بعلة
واحدة ففي المثقل والمحدد السبب هو القتل العمد العدوان والعلة الزجر لحفظ النفس والحكم القصاص وفي الزنا واللواطة السبب ايلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا والعلة الزجر لحفظ النسب والحكم وجوب الحد وهذا الجواب لا يرد على الحنفية المانعين من القياس في الأسباب لأنهم لا يقولون بالقصاص في المثقل ولا بالحد في اللواطة وانما يرد على من قال بمنع القياس في الأسباب من الشافعية فإنهم يقولون بذلك قال المحقق السعد والحق ان رفع النزاع بمثل ذلك يعني لكونه ليس محل النزاع ممكن في كل صورة فان القائلين بصحة القياس في الأسباب لا يقصدون الا ثبوت الحكم بالوصفين لما بينهما من الجامع ويعود إلى ما ذكرتم من اتحاد الحكم والسبب
واختلفوا أيضا هل يجري القياس في الحدود والكفارات أم لا فمنعه الحنفية وجوزه غيرهم احتج المانعون بأن الحدود مشتملة على تقديرات لا تعقل كعدد المائة في الزنا والثمانين في القذف فان العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل وما كان يعقل منها كقطع يد السارق لكونها قد جنت بالسرقة فقطعت فان الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من اثباته بالقياس وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات فإنه لا يعقل كما لا تعقل اعداد الركعات وأجيب عن ذلك بأن جريان القياس انما يكون فيما يعقل معناه منها لا فيما لا يعقل فإنه لا خلاف في عدم جريان القياس فيه كما في غير الحدود والكفارات ولا مدخل لخصوصيتهما في امتناع القياس وأجيب عما ذكروه من الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ بالنقض بخبر الواحد وبالشهادة فان احتمال الخطأ فيهما قائم لأنهما لا يفيدان القطع وذلك يقتضي عدم ثبوت الحد بهما والجواب الجواب واحتج القائلون باثبات القياس في الحدود والكفارات بأن الدليل الدال على حجية القياس يتناولهما بعمومه فوجب العمل به فيهما ويؤيد ذلك ان الصحابة حدوا في الخمر بالقياس حتى تشاوروا فيه فقال علي رضي الله تعالى عنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد الافتراء فأقام مظنة الشيء مقامه وذلك هو القياس واحتجوا أيضا بأن القياس انما يثبت في غير الحدود والكفارات لاقتضائه الظن وهو حاصل فيهما فوجب العمل به واعلم أن عدم جريان القياس فيما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة قد قيل إنه اجماع وقيل إنه مذهب الجمهور وان المخالف في ذلك شذوذ ووجه المنع ان القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل واستدل من أثبت القياس فيما لا يعقل معناه بأن الأحكام الشرعية متماثلة لأنه يشملها
حد واحد وهو حد الحكم الشرعي والمتماثلان يجب اشتراكهما فيما يجوز عليهما لأن حكم
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 223
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٣