الصور لا يقدح في كونه دليلا وأيضا المناسبة والدوران والتأثير والإيماء قد ينفك كل واحد منها عن العلية ولم يكن ذلك قدحا في كونها دليلا على العلية ظاهرا انتهى وقد جعل بعض أهل الأصول الطرد والدوران شيئا واحدا وليس كذلك فان الفرق بين الطرد والدوران ان الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم والدوران عبارة عن المقارنة وجودا وعدما والتفسير الأول للطرد المذكور في المحصول قال الهندي هو قول الأكثرين
وقد اختلفوا في كون الطرد حجة فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقا وذهب آخرون إلى أنه حجة مطلقا وذهب بعض أهل الأصول إلى التفصيل فقال هو حجة على التفسير الأول دون الثاني ومن القائلين بالمذهب الأول جمهور الفقهاء والمتكلمين كما نقله القاضي عنهم قال القاضي حسين لا يجوز ان يدان الله وبه واختار الرازي والبيضاوي انه حجة وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة عن الصيرفي قال الكرخي هو مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا والفتوى به قال القاضي أبو الطيب الطبري ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل على صحة العلية واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون إنها قد صحت كقولهم في مس الذكر آلة الحدث فلا ينتقض الوضوء بلمسه لأنه طويل مشقوق فأشبه البوق وفي السعي بين الصفا والمروة انه سعي بين جبلين فلا يكون ركنا كالسعي بين جبلين بنيسابور ولا يشك عاقل ان هذا سخف قال ابن السمعاني وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة والاطراد دليلا على صحة العلية حشوية أهل القياس قال ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء
المسلك التاسع الدوران وهو ان يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصر فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم فدل على أن العلة السكر وقد اختلف أهل الأصول في إفادته للعلية فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد القطع بالعلية وذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية بشرط عدم المزاحم لان العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها وانما هي علامة منصوبة فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن انه معرف قال الصفي الهندي هو المختار قال إمام الحرمين ذهب كل من يعزى إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل وذكر القاضي أبو الطيب الطبري ان هذا المسلك من أقوى المسالك وذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده لا قطعا ولا ظنا واختاره الأستاذ أبو منصور وابن السمعاني والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والآمدي وابن الحاجب واحتجوا بأنه قد وجد مع عدم العلية فلا يكون دليلا عليها الا ترى ان المعلول
دار مع العلة وجودا وعدما مع أن المعلول ليس بعلة لعلته قطعا والجوهر والعرض متلازمان مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر اتفاقا والمتضايقان كالأبوة والبنوة متلازمان وجودا وعدما مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر لوجوب تقدم العلة على المعلول ووجوب تصاحب المتضايفين والا لما كان متضايفان
المسلك العاشر تنقيح المناط التنقيح في اللغة التهذيب والتمييز ويقال كلام منقح أي لا حشو فيه والمناط هو العلة قال ابن دقيق العيد وتعبيرهم عن العلة بالمناط من باب المجاز اللغوي لأن الحكم لما علق بها كان كالشئ المحسوس الذي تعلق بغيره فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الاطلاق غيره انتهى ومعنى تنقيح المناط عند الأصوليين الحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق بأن يقال لا فرق
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 221
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢١