عذاب غليظ ) ( 65 ) ( فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا
بآياتنا وما كانوا مؤمنين ) ( 66 ) .
لقد جاءتهم الريح في يوم نحس كانوا يحتفلون فيه بمجد آبائهم الأوائل .
ففي اليوم النحس جاءتهم الريح لتكون عليهم في أيام نحسات ذات غبار وتراب لا
يرى فيها أحد أحدا . جاءتهم مسخرة من الله عليهم ، تضربهم مرة بعد مرة كي
يستوعب الجميع الهلاك وذكر المسعودي : أن الريح أتتهم يوم الأربعاء . فما
جاءت الأربعاء الثانية وفيهم أحد حي ( 67 ) . وذهبت عاد وأصبحوا عبرة لمن أراد
الاعتبار . وبقيت الريح . . نعم بقيت ، فهي على كل مكان من الأرض . وهي
في جوف كل إنسان وهي في مخازن الله . وكما ذكرنا أن للمؤمن مقاييس ينظر بها
إلى الأحداث من حوله وما يمكن أن يترتب عليها ، فليس كل ريح تأتي بخير
وليس كل سحاب يأتي بماء . ولقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه . فلما سئل : يا رسول الله إن
الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر . وإذا رأيته أنت عرفنا في
وجهك الكراهية . قال عليه وآله الصلاة والسلام " ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب .
قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب وقالوا هذا عارض ممطرنا " ( 68 ) وذهبت
عاد . وقطع دابر الذين كفروا . فلا ترى لهم باقية . ليسر في عصرنا أحد ينتسب
إلى عاد بدمائه لأن دابرهم قد قطع . ولكن في عصرنا من هواه على هوى عاد ،
في عصرنا يوجد من يقول : ( من أشد منا قوة ؟ ) وفي عصرنا أعلام ورايات
تمارس سياسات التجويع والتخويف ، وفي عصرنا فتحت للغطرسة معاهد ،
وراجت الأخلاق الحديدية التي لا تقيم للفضيلة وزنا . بل ذبحتها تحت المقاصل
تحت شعار روح العصر الحديث . وفي عالم الأخلاق الحديدية . زخرف
الشيطان كل شئ بما يستقيم مع روح العصر . وفي عالم الزخرف اعتنق الناس
فضائل الأهواء وكل فضيلة من حديد . كل فضيلة ظاهرها الرحمة وباطنها يقبع فيه
هامش
( 65 ) سورة هود ، الآية : 58 .
( 66 ) سورة الأعراف ، الآية : 72 .
( 67 ) مروج الذهب : 159 / 2 .
( 68 ) ابن كثير : 161 / 4 .