* وجاءت الرياح :
جلس قضاة الطاغوت في ديار الجبابرة ومن حولهم جنود عاد الذين شربوا
من إناء الأخلاق الحديدية في ثقافة ( من أشد منا قوة ؟ ) جلسوا تحت السماء التي
تمسك عنهم المطر ، ومن حولهم نخالة الحبوب الناشفة . وأوراق الأشجار
الميتة ، لم يرفعوا أكفهم إلى السماء حتى يرفع الله عنهم العقاب ، وإنما انطلقوا
في يوم عيدهم إلى أكبر أصنامهم وتجمعوا حوله يسألونه الماء أساس حضارة
عاد ، ففي هذا العيد وكان يوافق دائما يوم الأربعاء . خرج الجبابرة وخدامهم من
الفقهاء والجنود ومن حولهم الغوغاء والرعاع أصحاب العيون التي انطفأ منها كل
بريق يحمل معنى من معاني الرحمة ، وأمام الصنم الأكبر وقفوا يبتهلون
ويتضرعون بالآباء تحت لهيب الشمس المحرقة ، ولم تكن هناك رياح تسري في
الحدائق سريانها البديع . ولم يكن للنسيم الرقيق وجود بينهم يوم زحامهم على
أصنامهم . كان الحر شديدا وقطرة الماء أمل للإنسان وللحضارة العريضة التي
تتربع عليها عاد ، وبينما هم ينظرون في الأفق شاهدوا سحابا ثقيلا يستقبل
أوديتهم . يقول تعالى : ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض
ممطرنا ) ( 51 ) لقد حكموا على العارض بما يعلمون ، ولكن الحقيقة لا يعلمها إلا
الله فما كل سحاب يأتي بالماء ، وما كل رياح تحمل الخير ، فعاد وفقا لحضارتها
وعقيدتها وثقافتها تحكم على الأشياء بما جرت به العادة ، فالأب الأول في قافلة
الانحراف ترك صنما ، وهذا الصنم عبدته القافلة كلها ، فإذا جاءت عاد ووجدته
يكون الخروج عن العادة والتقاليد شذوذا . وأمام العادة والتقاليد فليسقط السمع
والبصر والفؤاد . ووفقا لهذا المقياس شاهدوا العارض فقالوا بأنه ممطر ، لأن
علمهم وقف عند الحد الذي يقول بأن السحاب لا يحمل إلا الماء . أما الذين
يؤمنون بالله فيعلمون أن العناصر كلها خاضعة لخالقها ، وقد تحمل هذه العناصر
النعم لقوم بينما تحمل النقم لقوم آخرين ، وقد تمطر السماء هنا ماء بينما تمطر في
مكان آخر حجارة من سجيل منضود . لهذا كان الإيمان بالله هو روح النظر إلى
الأشياء عند الذين آمنوا . وكانت تقوى الله هي المقياس الذي تتحطم عليه
العادات والتقاليد ، وكان الخوف من مكر الله يجعلهم في ارتعاد دائم ، لأنهم بشر
هامش
( 51 ) سورة الأحقاف ، الآية : 24 .