لقد جاءت الريح لتضرب المرتفعات والأعمدة وتضرب المنخفضات
والحصون ، جاءت الريح العقيم التي عقمت أن تأتي بفائدة مطلوبة في عالم
حضارة عاد ، جاءت لتدمر كل شئ ( بأمر ربها ) فضاع الجبابرة وخدام
الجبابرة أصحاب البطش والأخلاق الحديدية . روي أن الريح كانت تأتي أحدهم
فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار . ثم تنكسه على أم رأسه . فيسقط على الأرض
فتثلغ رأسه . فيبقى جثة بلا رأس ( 60 ) ولهذا قال تعالى : ( كأنهم أعجاز نخل
منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) ( 61 )
وعلى امتداد أيام العذاب كان الجبابرة والمستكبرين يهرولون في كل مكان هربا
من قسوة الرياح حتى إنهم كانوا يتحصنون الجبال والكهوف والمغارات ، وحفروا
لهم في الأرض إلى أنصافهم فلم يغن عنهم ذلك من الله شيئا ( 62 ) لقد أقاموا
الأعمدة إلى أعلى وفقا لحسابات الطوفان ، وأسرفوا في هذا العبث إسرافا كبيرا ،
وعندما جاءتهم الريح جعلوا من أنفسهم أعمدة في بطن الأرض ، ولكن هيهات
هيهات
!
لقد طحنت الريح قصورهم وحصونهم ومدائنهم . عصفت عليهم سبع ليال
وثمانية أيام حسوما ( فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) وكانت
ترفع الرجال والنساء إلى الجو ثم ترمي بهم فيقعون على رؤوسهم منكسين .
وكانت الريح تقلع الرجال والنساء من تحت أرجلهم ثم ترفعهم إلى السماء ثم
تحطمهم حطما ، كانت الريح تمر بأهل البادية فحملهم هم ومواشيهم وأموالهم
حتى يكونوا بين السماء والأرض وتلقى بأهل البادية ومواشيهم على أهل
الحاضرة ( 63 ) لقد قهرت الريح الذين فشوا في الأرض وقهروا أهلها تحت شعار
( من أشد منا قوة ؟ ) أما هود عليه السلام وأتباعه فروي أنه عليه السلام اعتزل ومن
معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ
الأنفس ( 64 ) ( ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من
هامش
( 60 ) البغوي : 135 / 8 ، ابن كثير : 265 / 4 .
( 61 ) سورة القمر ، الآيات : 20 - 22 .
( 62 ) ابن كثير : 342 / 3 ، البغوي : 231 / 6 .
( 63 ) ابن كثير : 412 / 4 .
( 64 ) ابن كثير : 226 / 2 .